قفز اسم "الحوثيين" – الذين يؤمنون بالأئمة الإثني عشرية، وهم فرقة من الشيعة الزيدية ويتبعون الإمام الخامس زيد بن علي، وقامت الحركة بقيادة حسين الحوثي عام 1992 الذي لقي حتفه على يد القوات الحكومية عام 2004- من جديد على سطح الأحداث، وقطعوا شوارع صنعاء واقتربوا من حقول النفط قرب مأرب، بعد أن رفضوا خطوات الرئيس عبد ربه منصور هادي، لتشكيل حكومة وحدة وطنية وإلغاء قرار رفع أسعار الوقود. وواصلوا احتجاجاتهم في الوقت الذي انتشرت قوات مكافحة الشغب في أماكن عدة من العاصمة صنعاء. ومع أن التقديرات تشير إلى أن حجم الزيديين المحدود وهو (20%) من عدد السكان لا يؤهلهم للحكم، إلا أن نصف هذه النسبة غير متفق على مفاهيم ومبادئ الحركة الحوثية، لأنها تحاول تحويل اليمن إلى سلطة مركزية برفضها مبدأ التعددية وممارسته العنف ضد مناوئيها، مع إيمان عميق بضرورة إبادة الخصوم وإلغاء وجودهم، كما يقول الباحث اليمني عبدالناصر المودع في ورقته الحركة الحوثية.. مصادر القوة وحدودها، يستطرد المودع: «في مقابل ذلك الوجه الشمولي الصارم القروسطي الذي تمارسه الحركة في مناطق نفوذها، يتخذ أعضاء الحركة المعنيين بالتواصل مع القوى السياسية الأخرى والسلطات اليمنية والقوى الأجنبية تحديداً، مظهراً مختلفاً تماماً عن تلك الصفات، حيث يُبدي هؤلاء قدراً عالياً من الانفتاح السياسي والقبول بالتعددية والمذهبية، وتحفل خطاباتهم بترديد شعارات مُطالبة بتأسيس دولة مدنية حديثة، فحين أعلنت الحركة الحوثية عن ممثليها في مؤتمر الحوار الوطني، تعمدت الحركة أن يكون هؤلاء من خلفيات سياسية ومذهبية وجغرافية متنوعة، فقد شمل ممثلي الحركة في هذا المؤتمر أشخاص من خلفيات يسارية وليبيرالية ومن مناطق سنية». وتبدو في هذه الحالة «تقيّة سياسية» أو مذهبية تقترب من النموذج الإيراني في تعامله مع الأحداث، ولا غرابة في ذلك، كون الحركة تتلقى دعماً قوياً من إيران. ولم يكن لـ (الحوثيين) أن يظهروا في عُمق الصورة وتحدّيهم السلطة بالتظاهر في العاصمة اليمنية، لولا أنهم تلقوا دعماً قوياً من الرئيس المعزول علي عبدالله صالح، الذي استغل مشاكساتهم لتعزيز وجوده مع دول الجوار، واللعب بورقة الحوثيين في معادلة الصراع الخليجي/ الإيراني، إلا أن الحوثيين) لم يثبتوا على مواقفهم، فمع انطلاقة الثورة الجديدة على نظام “صالح” اصطف “الحوثيون” مع الأطراف التي قامت بالانقلاب، رغم خلافاتهم الأيديولوجية مع الثوار. ونظراً لضعف الدولة وتمزق البلاد، فإن بروز الحركة – والكلام لـ(المودع) «قد أتى نتيجة لحالة الإرباك وسوء الإدارة التي تصرّف بها خصومهم. فهؤلاء لم يواجهوا الحركة بكامل جهدهم وطاقتهم الحقيقية، ...واكتفوا بالتعامل مع الحركة من خلال ردود الفعل، ولهذا فإن قيام خصوم الحوثي بمراجعة سياساتهم وأساليبهم من شأنه أن يغيّر المعادلة وربما يحولها بشكل جذري». وكانت تقارير قد ذكرت أن أنصار "القاعدة" قد يستغلون الأوضاع المتوترة في اليمن لتنفيذ عمليات كبيرة في البلد، بعد ورود أنباء استخباراتية عن مخطط لاستهداف سفارات مهمة في صنعاء. وقامت دول عربية وغربية بسحب دبلوماسييها من صنعاء، تحسباً لحدوث مواجهات دامية بين "الحوثيين" والقوات الحكومية. هذا الوجه الأول - في الصورة - للاختلاف العقائدي العنيف الذي يُهدد الاستقرار في الوطن العربي، أما الوجه الثاني للصورة فهو "داعش"، وهي حركة إسلامية سُنية، تؤمن بالخلافة الإسلامية، ولقد تم إعلان الخلافة فعلاً. لكن المحللين محتارون في مدى انتشارها ومصادر تكوينها، ودرجة العنف الذي تمارسه ومبادئها التي تريد إعادة الإنسان إلى ما قبل 15 قرناً من الزمان، حيث أصدرت «فرمانات» خاصة بالحياة الاجتماعية، بل وقامت بتنفيذ عمليات إعدامات دون محاكمة طالت ليس خصومهم من الشيعة، بل صحفيين أجانب، ما عُرف بـ (النحر الداعشي)! ولقد أربكت “داعش” الأوضاع في العراق بوصولها إلى آبار النفط والسدود المهمة في شمال العراق لاحظوا انهم لا يختلفون عن الحوثيين في أهمية السيطرة على مصادر القوة، وامتدت بعد ذلك إلى سوريا، حيث اجتاحت عناصرها المدن الشرقية من البلاد، وزحفت نحو آبار النفط في سوريا، وسيطرت على البلدات المتاخمة لدمشق. وكان "جو سيستاك" سيناتور "ديموقراطي" سابق قد نشر مقالاً يوم 31/8/2014، تحدث فيه عن رئاسته لفريق عمل أُنيط به وقف انتشار وقوة "داعش" منذ عام 2003، «ووضعت مذاك خطة لتحقيق ثلاثة أهداف، أولها: وقف تقدم مقاتلي "داعش"، واستخدمت الطائرات الأميركية لتحقيق هذا الهدف بالتنسيق مع الجهات الاستخباراتية، وحُدد الهدف الثاني بضرورة تدمير مراكز الإمداد اللوجستي للحركة في العراق وخارجه. أما الهدف الثالث فهو: تعقب الأموال ووقفها عن التدفق إلى جيوب الإرهابيين وخزائنهم، وهو عمل استخباراتي بامتياز». ومع التقدير لما تقدم، فإن الانتشار السريع لـ "داعش" ما زال مُحيّراً. وهذا ما لم تتم معالجته منذ 2003، حتى وصل التنظيم إلى سوريا، وبدأت عندها الولايات المتحدة «تتحسَّس» من احتمال وصوله إلى ديارها، كما فعلت (القاعدة) في 11 سبتمبر 2001، وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد ذكر – في مقال في “نيويورك تايمز” أن الولايات المتحدة «ستستغل قمة حلف شمال الأطلسي من أجل تشكيل تحالف دولي للتصدي لتوغل متشددي داعش في سوريا والعراق، الذين يزعزعون الاستقرار في المنطقة». وقال كيري «إن مقاتلي داعش أظهروا وحشية وقسوة مقززة فيما يحاولون إشعال صراع طائفي على نطاق واسع». ويتوقع مراقبون أن يصطدم التحالف المذكور بمواقف إقليمية تتمثل في مدى قبول سوريا (النظام) في التحالف، وهو ما ترفضه الدول الأوروبية، وكذلك موقف دول المنطقة من مشاركة إيرانية! وهو ما يمكن أن يزيد من «التوّغل» الشيعي في المنطقة التي تسكنها غالبية سُنية، ولقد أعرب أوباما في ختام قمة حلف “الناتو” يوم الجمعة الماضي بأن تنظيم "داعش" سيُهزم، مؤكداً أنه تم حشد القدرات والموارد لمواجهته، وأن هنالك تصميماً من الحلف على القضاء على التنظيم بالتعاون مع الحلفاء. فإلى أين يسير الشرق الأوسط الذي تتنازعه تيارات إسلامية متشددة وأخرى مُتخلفة، لا تؤمن بالحياة ولا بحق الحياة، إلا على الطريقة التي تُفكر بها! فهل سيكون اليمن عراقاً آخر؟ وهل ستتحرك (الخلايا النائمة) التي (قلبُها مع الحوثيين) وتلك التي (قلبُها مع داعش) في مناطق أخرى من العالم العربي، وتُحدث انشطارات داخل الدول المتماسكة؟. عندها سيكون من الصعب على الولايات المتحدة مواجهة العالم، كونها تأخرت كثيراً في ضبط الإيقاع الذي انفلت من المقام ووصل إلى درجة «النشاز» في الجوقة التي تحاول أن تجعل المنطقة أكثر إنسانية وأكثر جمالاً!