في وقت تغزو فيه روسيا أوكرانيا وتستعرض فيه الصين عضلاتها، وتواصل أجهزة الطرد المركزي دورانها في إيران، وتستمر «داعش» في تهديدها الذي يفوق، حسب تعبير وزير الدفاع، «كل ما يمكن تصوره»، تصر واشنطن على تقليص جيشها، فهل في ذلك أي منطق؟ الواقع أن عدداً من الحجج تساق لتبرير القضاء على أسس الدفاع الأميركية، وهي جميعها تجانب الصواب ويعتريها الخطأ، فالرئيس يؤكد أنه علينا الانتقال إلى «نظام عالمي جديد يقوم على مجموعة مغايرة من المبادئ تتأسس على شعور إنساني مشترك»، مطالباً باستبدال النظام القديم الذي تبقي فيه القوة الأميركية الهائلة الأنظمة المستبدة تحت الرقابة، وتحافظ على سيادة الدول واستقلالها، ومع أنه يُنصح عند القيام بألعاب بهلوانية خطرة أن تبقى يد واحدة متمسكة قبل إرخاء الأخرى حتى لا تقع المصيبة، إلا أن ذلك لا يسري على مطالب استبدال النظام الدولي في أميركا، فقبل التخلي تماماً عن القوة الأميركية يُفترض أن نبحث عن بديل فعال إنْ وجد أصلاً، والأكثر من ذلك أن استدعاء المشترك الإنساني كأساس للنظام العالمي الجديد يتجاهل حقيقة أن الإنسانية أبعد ما تكون عن التوافق والإجماع على قيم وآراء مشتركة، فإذا كانت الإنسانية تجمع على وجود الشر في هذا العالم، إلا أنها تفترق في تعريفه، بحيث ما يراه البعض شراً قد يعتبره آخرون خيراً. ثم هناك من يقول إن العالم سيكون أفضل بتعدد الأقطاب وتنوعها بدلاً أن يكون تحت السيطرة الأميركية، والحال أنه لو كانت تلك الأقطاب هي أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا لما اعترضت. لكن في ظل صعود الصين وروسيا وإيران لن ينعم العالم بالهدوء والسلام، بل سنعاين مرحلة جديدة من السيطرة والغزو والحروب الإقليمية، وأخيراً ستسعى كل من هذه الأقطاب إلى غزو بعضها لنصل إلى حرب مدمرة، وفيما يذهب البعض إلى أن الولايات المتحدة ستكون بخير وتجنب نفسها أي هجمات بسحب جيشها من العالم والانكفاء على نفسها بالخروج من الشرق الأوسط والقبول بوجود أسلحة نووية في إيران ودول أخرى، والسماح للصين وروسيا بالتصرف كما يريدان مع جوارهما، والاكتفاء بالجلوس والتفرج على العالم فيما يجتاح "الجهاديون" أكثر من قارة، نرى نحن أن هذا الأمر مجرد خيال. فحسب ما علمنا القرن العشرون يقيم المستبدون والأنظمة المتعطشة للسلطة ولائم على المهادنين والضعفاء، وحتى نستخدم كلمات حاكم ميسيسبي السابق "هالي بابور"، يشبه الأمر بدفع المال لآكلي اللحوم البشرية لنبقى آخر من يأكلون، دون أن ننسى أن الانسحاب من العالم سيضرب اقتصادنا من خلال تعطيل طرق التجارة العالمية، والاختلالات التي ستلحق بالأسواق، هذا فضلاً عن انعكاسات الفوضى في مناطق العالم المختلفة، لا سيما وأن الأمن والسلام الدوليين يصبان في المصلحة القومية للولايات المتحدة. ومع أن البعض الآخر يشير إلى الحجم الكبير أصلاً للجيش الأميركي وعدم تأثره بعمليات الخفض المستمرة، مدللين على ذلك بحجم موازنة الدفاع، إلا أن هذه المقارنات تجانب الصواب، لا سيما في ظل التعتيم الذي تمارسه الصين وروسيا بشأن إنفاقهما العسكري الفعلي، كما أنهما لا يدفعان سوى أجوراً متواضعة لقواتهما المسلحة مقارنة بما نفعل، ما يعني أن كلفة بناء قدراتهما العسكرية تظل منخفضة مقارنة بنا. ولعل الأهم من ذلك أن الترسانة النووية التي ما زالت بحوزة روسيا تفوق بكثير ما نملكه نحن، وأنه في غضون ست سنوات ستتفوق علينا الصين في عدد السفن التي تملكها، علماً أن عدد أفراد جيشها يفوق حالياً نظيره في الجيش الأميركي، وأن جيشنا يضطلع بمهام لا يقوم به غيره لضمان حرية البحار، وسلامة الأجواء والفضاء، ومحاربة الإرهاب، بل والحفاظ على الأمن والاستقرار حول العالم، بالإضافة إلى مهمته الأساسية في الدفاع عن الولايات المتحدة. لكن التبرير الأكثر إثارة للضحك الذي يسوقه أوباما لتسويغ تقليص الجيش هو الادعاء بأن «العالم أقل خطورة مما كان عليه قبل عشرين، أو خمس وعشرين، أو ثلاثين سنة»، والحال أن فقاعة العالم الآمن تلك تفجرت تحت وقع الأحداث الأخيرة في أوكرانيا وأفغانستان وليبيا ومصر وغزة ونيجيريا والصومال وسوريا والعراق. وإذا كان فقر الخيال أوقعنا في هجمات سبتمبر الكارثية قبل 13 عاماً، فإنا لسنا في حاجة اليوم لملَكَة خيال فائقة لنتصور ماذا سيحل بأميركا إن أدارت ظهرها للعالم. وفي جميع الأحوال تخفي كل تلك الحجج الداعية لتقليص إنفاقنا العسكري السبب الفعلي المتمثل في رغبة السياسيين والعديد من ناخبيهم في حصر الإنفاق على الداخل، فبالنظر إلى ما تشكله النفقات الاجتماعية على الموازنة العامة من أعباء يخير السياسيون الأميركيين بين خفض الإنفاق في الداخل، أو تقليصه في الخارج، ويبدو أنه حتى اللحظة اختار السياسيون تقليل النفقات العسكرية، لكن السياسيين في واشنطن مع ذلك مدعوون لاتخاذ قرارات تاريخية تتجاوز تداعياتها الحاضر إلى الأجيال القادمة، بل تتجاوز الأميركيين إلى العالم بأسره، فنحن اليوم إزاء اختبار حقيقي، وفي القلب منه الحرية والسلام، بحيث سيكون على القادة الاختيار بين الاستمرار في ضرب قدراتنا العسكرية وتقويضها، أو الالتزام بتعهدنا الدستوري الذي يقضي بالدفاع عن الولايات المتحدة وحمايتها. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»