ماذا يعني التخلي عن المشروع الوطني الديموقراطي؟! سؤال يمثل محور الأسئلة الراهنة الأخرى، التي تستمد شرعيتها المجتمعية ومصداقيتها العامية، وبوضوح ودقة أكثر إذا كان المجتمع السوري كغيره من المجتمعات يطرح أسئلة أخرى، فالسؤال المذكور الآن هنا يتصل، بوضوح جارح شفاف بالحفاظ على سوريا موحدة متماسكة عبر سكانها جميعاً، فهؤلاء اللاعبون في المسرح السوري الآن بكل انتماءاتهم العائلية والطائفية والإثنية، إضافة إلى مواقعهم الفئوية والمجتمعية والطبقية وغيرها، أي أيضاً أولئك المعفيين أو المقصيين والمبعدين من الفعل المجتمعي، وبكل أنماطه ومستوياته وضروراته نعني بما فيه العمل الضروري للحياة اليومية، ولكن الذي أصبح أكثر ندرة (في أوساط الدولة الفاشلة راهناً كما في أوساط المجتمع السوري القائم، إذ في هذه الحالة يدخل في الحساب أولئك الملايين من الشعب السوري الذين تحولوا إلى عاطلين عن العمل، وراحوا يتجهون إلى التسول والحرمان وقاع المجتمع لقاء الكرامة والشرف. وتصبح المسألة أكثر هزلاً، حين ينتقل الأمر من المستوى الوطني إلى المستوى القومي. إن حديثاً عن انتقال من الدعوة إلى وطن عربي واحد، إلى دعوة إلى ما قبل الوطني الملوث بالطائفية والجريمة أمر يضع أمام الباحثين في التاريخ السياسي حالة معقدة بكيفية فائقة معقدة، ومن ثم فإننا نواجه صيغة من صيغ التصدع العربي تحت قبضة "مؤامرة" مُحكمة مدججة بسلاح الآخر، الذي تم شراؤه بمال الشعب المهان لتهيئة الخروج إلى مرحلة ما قبل الوطنية، بكل تشطيباتها واستجاباتها المحبوكة من التخلف والتخليط والطائفية والثأرية المشتبكة بنزوع إلى قتل "الآخر" للخلاص منه ومن أحلام الموت المنبعثة منه ضده، كما يخمنه، والحق إن ما حدث من تلك التحولات لم يكن مجرد انهيار وخروج عن الطريق التي سلكتها وظهر أنها مجرد ارتكاسات اعتقد أنها التعبير "العصري" عن التقدم، لقد كان ذلك أيضاً بل بالدرجة الأولى أوهاماً اعتقد أنها تحولات كبرى في تاريخ المجتمعات العربية، ومن ثم علامات فارقة في مسيرة المشروع العربي الحديث، بدءاً من القرن التاسع، وانتهاء بما حل بتلك المسيرة من تهشم: لقد سقط الرهان على قبول الآخر الداخلي، وعلى إمكانية إنجاز الانتقال إلى الوطني والقومي: إنه انهيار يقتص من قوى الطائفية والانعزالية: فلا وطن ولا وطنية، ولا قوم ولا قومية، وهذا ما أعاد ترتيب الأشياء تاريخياً إلى منطلق المسألة في القرن التاسع عشر وما قبله. بيد أن الموضوعية تقتضي منا التأكيد على المهمات الكبرى التي أنجزها أطراف من الغرب فيما قبل التاسع عشر والتاسع عشر وما بعده: اقتسام العالم استعمارياً ثم إمبريالياً، كان عاملاً كبيراً في إعاقة العملية وعرقلة احتمالاتها في حالة من حالات التطور والحداثة، والتقارب باتجاه الممكن من التمركز التوحيدي: إن التاريخ مراوغ ويبقى من وراء مصرين على أوهام هشة من التطور والحداثة إضافة إلى ذاك التمركز التوحيدي، وحيث يكون الأمر قد استوى على هذا النحو، فإن العمل على «شطب» هاتين المهمتين التاريخيتين من حساب التاريخ العربي يمكن أن يأخذ طريقين اثنين، تمثل أولهما في تدمير الداخل العربي والسوري من ضمنه، أما الطريق الثاني فيتبلور في العمل على زعزعة أركانه الداخلية والخارجية عبر مشاريع استعمارية واستعمارية جديدة، يمثل المشروع العولمي عربياً أحد صيغه، دون أن نهمل ما أصبح واحداً من تعبيرات النظام العولمي في دوره الكبير، نعني مشروع الشرق الأوسط الجديد والدور الذي أنيط بإسرائيل في التمكين لهذا الأخير.