في غمرة أخبار قاتمة ترمي على المنطقة العربية ظلال العنف والإرهاب، تخرق الأمم المتحدة أجواء هذه الغيمة السوداء بالتفاتة مختلفة إلى الكويت، التي ساعدت المنظمة الدولية خلال العامين الأخيرين في محاولتها لتفعيل البعد الإنساني في السياسة العالمية رغم التراجع الذي يشهده في اهتمامات الدول الكبرى. كانت الأمم المتحدة تبنّت تسمية الكويت «مركزاً انسانياً عالمياً» بعدما استضافت مؤتمرين للدول المانحة لإغاثة الشعب السوري وساهمت في جمع تبرعات كبيرة لهذا الهدف، وإنْ تعذّرت مساعدة جميع المحتاجين فعلاً بسبب الحصارات والموانع التي أقامها النظام السوري. واليوم تحتفل المنظمة بتكريم هذا البلد العربي ممثّلاً بأميره الشيخ صباح الأحمد الصباح، الذي سمّي أيضاً «قائداً إنسانياً عالمياً». قد يبدو الأمر كأنه من الأنشطة الرائجة لـ«العلاقات العامة» أو تبادل بين بلدان أو حكام قدموا مساهمات وبين منظمة تمرّ بفترات عسر ويسر أو بنجاحات واخفاقات متنافسة في مهمة إقامة السلام التي أنشئت لأجلها. غير أن الأمم المتحدة، التي تحوّلت بُعَيد تأسيسها إلى أداة توظّفها الدول الكبرى في سياساتها سلباً أو إيجاباً، لم تعدم على مرّ العقود مَن يؤمن بدورها، وباتت تعتمد أكثر فأكثر على مبادرات أعضائها من الدول الراغبة في تسخير امكاناتها تسهيلاً لعمل منظمة لا غنى لأي دولة عن «الشرعية» التي توفرها، مهما تكاثرت الانتقادات لها والمآخذ عليها بسبب فشلها التاريخي في عديد من النزاعات، وتحديداً في حل القضية الفلسطينية. الأكيد أن الكويت لا تنسى أن المغزى الأهم في خلاصها من الغزو والاحتلال العراقيين عام 1991 كان أنه تم تحت سقف الشرعية الدولية، لذلك ظلت مؤازرة الأمم المتحدة ودعمها بين هواجس حكامها وثوابتهم، تماماً كما ظلّت مساهمة حشد كبير من الدول العربية والغربية موضع امتنانهم واستعدادهم لرد الجميل. وتشاء المفارقة اليوم أن تعطّل الخلافات مجلس الأمن، وأن تؤدي استطراداً إلى تعجيز منظمات الأمم المتحدة عن رفع المعاناة عن العديد من شعوب سوريا والعراق وليبيا وفلسطين، بل إلى تعجيز الدول الكبرى نفسها عن مواجهة فاعلة واستباقية لوباء الإرهاب ما يدفعها إلى الالتفاف على الشرعية الدولية بما يحمله من مخاطر تنفيذ أجندات خاصة لهذه الدولة وتلك. بالنسبة إلى الشيخ صباح، فلا شك أن نظراءه من المسؤولين العرب والأجانب يرون في هذه اللفتة الأممية تكريماً طبيعياً. فالجميع يعرفونه، شباناً ومخضرمين، فهؤلاء عايشوا الكثير من محطاته خصوصاً في السياسة الخارجية التي صرّح مراراً بأنها حقله المفضّل، وأولئك يشعرون بأنهم يتعلّمون منه إذ يراقبون خطواته في ضوء ما قرؤوا عنه ويعتبرونه في حدّ ذاته تاريخاً قائماً ومتنقّلاً. وبين التاسع عشر من يوليو 1954 واليوم التاسع من سبتمبر 2014، مرّت ستون عاماً ونيّف، وهو في معترك السياسة الكويتية والعربية. كان في الخامسة والعشرين عندما عيّن في اللجنة التنفيذية العليا التي عُهد إليها وضع خريطة الطريق لإنشاء الدولة استعداداً للاستقلال عام 1961، وبعد تنقّل في وزارات عدة عيّن في الخارجية عام 1963 ولم يفارقها إلا لتولّي رئاسة الحكومة، ومن ثمّ الإمارة قبل ثمانية أعوام، ومن الواضح أن شغفه بالشؤون الخارجية ببعديها العربي والدولي ظلّ يطبع توجّهاته، ولذلك يبدو التقاؤه مع الأمم المتحدة منطقياً ومنسجماً، وهو كان حاضراً لحظة رفع علم بلاده أمام مبناها بعد أسابيع من تولّيه وزارة الخارجية. طوال عقود أعطت الكويت عن نفسها صورة البلد الذي يبحث عن صداقات، عربياً ودولياً، كما أنها تبنّت باكراً خياراً تنموياً لافتاً في علاقاتها الخارجية. فمع صباح الأحمد أصبحت لديها دبلوماسية خاصة بها وكان أهم تعبير عنها أنها صارت عنواناً دائماً للوساطات التي دعيت اليها، فبدأها وزيرها منذ الستينيات ويواصلها اليوم وهو أميرها، سواء في حرب اليمن عام 1966 ثم بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي 1972 وكذلك في الأزمة اللبنانية 1989 وفي القمة العربية الاقتصادية يناير 2009 عندما نجح في جسر الخلاف بين السعودية وسوريا، إلا أن الرئيس السوري لم يستطع المتابعة لأنه كان مضى في خيارات سياسية أودت به وبنظامه الى ما هما عليه الآن. لعل هذا الشريط يمرّ اليوم في خاطر أمير الكويت وهو يسمع في قاعة المنظمة الدولية شهادة أممية تنوّه بالدور الإنساني الذي يتماهى فيه مع بلاده، فهو كان حاضراً في كل المحطات، ويأمل بالمزيد منها.