بعد مرور أربعة وستين عاماً منذ التوقيع على معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو» التي كانت وراء إلزام الولايات المتحدة الأميركية وكندا وعشر دول أوروبية اعتبار أن أي هجوم على أي دولة منها هجوماً عليها جميعاً، اختتمت منذ أيام قمة الحلف التي اجتمعت في بلدة نيوبورت في مقاطعة ويلز البريطانية، وكان هناك إجماع بين الأعضاء على أن تنظيم «داعش» يمثل تهديداً جدياً لأعضاء الحلف، كما كانت هناك إعادة تأكيد على المهمة الأساسية للحلف والمنصوص عليها في البند الخامس في ميثاقه، ومؤداها أن: الاعتداء على أحد الأعضاء هو اعتداء على جميع الحلفاء، وهذا التأكيد كان موجهاً لروسيا تحديداً، حيث أعلن الحلف عن عزمه زيادة وجوده في الدول الأعضاء في أوروبا الشرقية، بما في ذلك نشر «قوة رأس الحربة». وفي رسالة أخرى موجهة لروسيا أيضاً، أعلن «الناتو» أن القمة المقبلة للحلف عام 2016 ستكون في بولندا، ليؤكد مجدداً التزامه تجاه أعضائه في أوروبا الشرقية. وفي هذا المقام قال أوباما: «ستكون لدينا خطة عمل للجاهزية، وسنزيد من وجود الناتو في شرق ووسط أوروبا». وخصص أوباما شقاً كبيراً من تصريحاته في مؤتمره عند ختام القمة للحديث عن العراق والتطورات في منطقة الشرق الأوسط. وأكد العمل على دعم «الوحدات الأمنية القادرة على العمل في العراق، وأن نكثف من قدرات تلك القوات والبشمركة، ولكن أيضاً على العشائر السنية معرفة أن مستقبلها ليس مع داعش». ومنذ سنتين تقريباً، كتب برينت سكوكروفت، الذي كان مستشار الأمن القومي للرئيس جورج بوش الأب، أن قراءة تاريخية واستراتيجية لميثاق الأمم المتحدة توحي أساساً بضرورة إنشاء قوة عسكرية دائمة لتطبيق قرارات مجلس الأمن، وهي القراءة التي يمكن أن تبلور في نموذج شراكة منظمة حلف الشمال الأطلسي. فالقوة الكامنة في أي شبكة يكون مصدرها الروابط أو لنقل كما يطلق عليه منظرو الشبكات «الوسطية المركزية» وقد كتبت في هذا المعنى الباحثة «آن ماري سلوتر» أن العضو الأكثر قوة في أي شبكة يشكل العقدة ذات الصلات الأكثر بالعقد الأخرى، وهذا يعني أن أي عقدة قادرة على زيادة قوتها ليس فقط بإضافة وصلات مباشرة، بل أيضاً من خلال زيادة الارتباط بالعقد القريبة، أو بمعنى آخر، تستطيع الولايات المتحدة زيادة قوتها سواء بالارتباط بالدول الأعضاء الأخرى في منظمة حلف شمال الأطلسي -ثم ضمان اتصال المنظمة بأكبر عدد ممكن من الدول والمنظمات- أو بزيادة قوة الارتباط بين هذه الدول والمنظمات الأخرى. وإذا ارتبطت منظمة حلف شمال الأطلسي بالاتحاد الأفريقي على سبيل المثال، فإنهما يصبحان أكثر مركزية بالنسبة للشبكة، وبالتالي أكثر قوة من حيث قدرتهما على فرض النفوذ وحشد الموارد... فمنطق المركزية كمصدر للقوة يعمل على خلق حلقة حميدة، حيث يكتسب أعضاء الشبكة ميزة خاصة من خلال جلب المزيد من الأعضاء إلى الشبكة والارتباط بها بشكل أكثر قوة. وهذا هو على وجه التحديد المنطق الكامن وراء تحول منظمة حلف شمال الأطلسي حالياً. فهذه المنظمة مؤسسة نجحت في خلق توليفة استراتيجية للنظام الدولي تجمع حسابات التقلب والتوجس والتعقيد والغموض، وهي سمات تطبع البيئة الاستراتيجية الدولية التي يصعب فيها التنبؤ بما سيحدث: فمن كان منذ سنتين يتصور قيام «داعش» أو المشكلة الأوكرانية؟ ومن كان يتصور أن ليبيا ستصل إلى ما وصلت إليه اليوم بعد مقتل القذافي؟ ومن كان يفترض أن نظام الأسد سيستمر إلى حد الساعة؟ ومن كان يتصور أن محددات اللايقين في البيئة الدولية المعقدة ستفرض إمكانيات التعاون مع أنظمة سلطوية ديكتاتورية كالنظام السوري ضد منظمات إرهابية كـ«داعش»؟ إن تأثيرات دور منظمة ناجحة كحلف «الناتو» مثل سياسة أي مخطط استراتيجي عبقري لا تظهر كثيراً في المراحل الأولية أو الأنماط الجديدة للعمل كما تظهر في النجاح النهائي للعمل بأكمله. فما ينبغي تقديره كما كان يقول المنظّر الاستراتيجي الشهير «كلاورفيتز» هو التنفيذ الدقيق للافتراضات غير المرئية وغير المعلنة والانسجام السلس للنشاط في مجمله، وهذا لا يصبح جلياً إلا عند تحقيق النجاح النهائي. والحال أن الحلف الأطلسي مأسس لعمل دائم ووثيق مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. كما يتعاون بشكل منتظم مع الاتحاد الأفريقي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمة الدولية للهجرة، والبنك الدولي، والمنظمة الدولية للطيران المدني، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية... بمعنى أن للحلف الأطلسي شبكة أمنية تتعدى المفهوم الكلاسيكي للتدخل أو القوة العسكرية، وهي شبكة لديها فروع ومراكز وتجمعات شبيهة بشبكة الإنترنت، مختلفة القوى والأحجام، وهذا الحلف يجمع بين التجارب والخبرات المدنية والعسكرية في بيئة دولية استراتيجية تتسم بالتكيف الدائم مع الشروط والظروف في عالم حافل بالمصادفات والهواجس والغموض عبر بناء استراتيجية تتسم بالمرونة والقابلية للتكيف في جميع مكوناتها بالاستناد إلى الأهداف الكبرى وإبقاء المعطى في المستويات الثانوية المساندة واسعاً بما يكفي للسماح بممارسة التكيف والمرونة. وعندما نقرأ هذا الكلام نفهم أن الحلف الأطلسي هو صندوق كبير ومتكامل من الخيارات الأمنية إلى جانب دوره كمطرقة، وهذه الحالة هي التي تسمح بتحديد الأزمات، والتخطيط، والعمليات، وإعادة البناء، وتثبيت القدرات بالاستعانة بطرق مصممة بوضوح لربط منظمة حلف شمال الأطلسي في أوروبا بـ«عالم مترابط» ولكن جزءاً من هذا العالم كما هو شأن سوريا وليبيا خاضع لعوامل سياسية وإقليمية مؤثرة كإسرائيل بالنسبة لسوريا، وأخرى غير مؤثرة كما هو شأن محددات المنظومة العربية والعمل العربي المشترك مما يجعل تدخل «الناتو» في تلك الدول ذا اعتبارات خاصة.