لدي قناعة بأن النهضة العلمية المعرفية وجودتها من جودة من ينقلها ويشارك بها ومدى استعداد الآخر لاستقبالها والبحث بها وتطويرها، لا يمكن حصرها في زاوية اللغة الأجنبية ومادة الرياضيات والمواد العلمية، فالفرنسي والياباني والألماني والصيني يدرسون بلغاتهم الأم، ولم يعق ذلك تقدمهم. العلم لا يرتقي دون دعم وتشجيع البحث العلمي والابتكار وجودة الجامعات التي تُخرِّج المدرسين ونشر وتأصيل ثقافة المعرفة وتطبيقاتها وإنشاء صناديق سيادية تعليمية تدير منظومة التعليم بعيداً عن روتين الحكومات والميول الشخصية في المجتمعات التي لم يكتمل بناءها المعرفي ولا تعتبر الإبداع والتفكير مهنة تستحق أن يتفرغ لها المرء. وفي الواقع نقدر حماس ووطنية كبار موظفي القطاع التعليمي في وطننا العربي ورغبتهم الصادقة في التغيير للأفضل، لكن للأسف معظمهم مدراء مشاريع وليسوا تربويين يفكرون بعقيلة كبار المدراء التنفيذيين في شركة "أبل" أو "وول مارت" أو "جوجل"، ولا أوافقهم الرأي في موضة نزولهم للواقع الميداني في عصر الحكومات الذكية، فالميدان من المفترض أن ينزل لهم، فمهمتهم النزول للواقع الميداني للعقول التي تدير تلك المنظومة والارتقاء إلى من هم أفضل منهم لتبادل الخبرات معهم والرجوع لمراكز التفكير في وزاراتهم لوضع الاستراتيجيات والسياسات من واقع دراسات ميدانية تطبيقية لمجتمعاتهم، وليس نسخ تجارب الغير قبل غربلتها. ولمعرفة حجم المأساة في القطاع التعليمي بعالمنا العربي، قمْ بالنظر الجاد في نوعية الطعام الذي يُباع في المقاصف والمطاعم المدرسية بعيداً عن علم النمو والتغذية الحديثة وجعل الطعام أحد عوامل التحفيز الدراسي. ففي دول مثل الدول الخليجية التي يعاني طلبتها من السمنة ومرض السكري لمستويات تعتبر الأعلى عالمياً، نحن نتحدث عن تزويد أكبر عدد من المدارس بمعجنات مصنوعة من الطحين الأبيض ومغطاة بجبنة كاملة الدسم وبين قوسين «بسعر رمزي » في اتفاقيات تعكس نوعية العقليات التي تعمل في الجهات التعليمية. ناهيك عن عدد المترددين على العيادات النفسية من الطلاب بسبب سوء معاملة أقرانهم لهم، والذي وصل لمعدلات مخيفة، وتلك هي مأساة حقيقية رغم تفاهتها للبعض، ومنها يجب أن ينطلق قطاع التعليم بجانب معضلات شبيهة أخرى قبل الانطلاق نحو التحديات الأكبر. ففي عالم التعليم الحديث، يجب التركيز على التخصص بعد المرحلة الإعدادية، وجعل النظام التعليمي مصنع معرفة تخصصياً، فما الجدوى من دراسة كل المواد في المرحلة الثانوية بدلاً من التخصص في البرمجة الإلكترونية مثلاً أو إدارة المتاحف أو المرحلة الأولى من الهندسة البترولية أو دراسة علم النفس أو العلوم العسكرية، أو فقه الواقع على سبيل المثال ومطالبة الطلبة في فصل الصيف بقراءة كتب معينة في الدين والفلسفة والتاريخ وغيرها من العلوم التي لم يتخصصوا فيها، والتي تزيد من ثقافتهم العامة ومناقشة ما قرؤوه في منصات معرفة افتراضية. الوقت حان لإحداث ثورة غير تقليدية في التعليم. فلماذا لا نكسر الحواجز كوطن عربي، ونكون مبدعين والأوائل في فعل نقلة نوعية في التعليم بدلاً من نغمة أفضل الممارسات العالمية، فمتى سنكون أمة تخرج منها أفضل الممارسات، ولكن أين هي مراكز التفكير التعليمية المعرفية في الوطن العربي وهو مؤشر آخر من مؤشرات تخلف التعليم النوعي الابتكاري لدينا، ولكن ليس بالمجمل بالضرورة. فالطالب العربي حبذا لو تخرج من الثانوية العامة، وهو بارع في حل المشكلات في تخصصه، وباحث متمكن، وأعتقد أن أكبر مشكلة تعليمية في عالمنا العربي أننا نميل إلى التفكير في التقنية والمواد أولاً وليس في خدمة وتسهيل تطبيق وتطوير الأفكار الكبيرة التي يكون الطالب مصدرها للتعامل مع واقع أو تحد قائم أو قادم أو معالجة جذور مشكلة ما، أو ابتكار حديث سيحدث الفارق في أي حقل علمي أو تقني أو أدبي أو فني أو رياضي...الخ ونعطيه المساحة في مرحلة الثانوية ليطورها، أي أن من الممكن أن يتخرج مئة طالب بمئة تخصص وجميعهم لهم مكان جاهز في منظومة الإبداع الكلي للمجتمع الابتكاري. يجب أن نمكن الطلاب من إبداء وكسب واكتساب وجهات النظر ونقد النظريات القائمة، ولا ضرر في الانتقال من المعرفة إلى المجهول للوصول لمعرفة جديدة، وتصميم خرائط المعرفة الخاصة بكل طالب أو مجموعة من الطلاب لديهم نفس الاهتمام والميول العلمية أو التقنية أو المهنية لإيجاد التوازن بين الابتكار والتنفيذ. مدارس المستقبل عبارة عن مراكز صغيرة لميول الطالب واهتماماته، فمثلاً يكون هناك نموذج بنك يعمل ويدرس فيه الطلاب في مرحلة الثانوية، ويكون لهم دوام جزئي في البنوك كجزء من تخصصهم التعليمي، فنحن نشكو من البطالة وبأن التعليم في وادٍ ومتطلبات السوق في وادٍ، ومتطلبات السوق متغيره في كل الأحوال مع الوقت وتطور المجتمعات البشرية، فلماذا نتعامل مع منظومة متغيرة وتنمو ذاتياً في كل ساعة بعقلية ثابته تقليدية دون أن نراعي القدرات والمصالح الفردية للتلاميذ وإدخال تغييرات على برامج التعليم الفردية للتلاميذ بعد تقييم تعليمي علمي وتصبح برامج الألعاب والمحاكاة جزءاً رئيسياً في المنظومة التعليمية المعرفية لتعزيز الدافعية والمشاركة والتعلم النشط وزراعة مهارات القرن الـ21 مثل التعاون والتبادل المعرفي وحل المشكلات والإبداع والتفكير المنهجي. نحن بحاجة حقيقية إلى الابتعاد عن مقاييس الثورة الصناعية وعقلية مقاس واحد يناسب الجميع، فلماذا لا يتم تقييم الطلاب من خلال جهد الحصول على نقاط الخبرة المعرفية أو التجربية الميدانية والتقارير البحثية بدلاً من الدرجات نتيجة الاختبارات أوالتدريبات كما أقترح أن تكون بعض المواد من تصميم خبراء الصناعات والمؤسسات الحكومية والخاصة الكبرى ليدرس الطالب مهارات المنحنى الوظيفي، وليس الموضوع فقط في مدارس المعرفة وعدم الاستعجال في استيراد الحلول قبل أن تكون القاعدة المحلية للانطلاق للعالمية مكتملة، فالمشهد المتغير للتعليم في مواجهة التكنولوجيا الناشئة يطرح سؤال، كيف يمكننا زيادة الاهتمام والمشاركة في مبادرات التعلم الابتكاري في العصر الرقمي. ولا بد من مناهج مختلطة تسمح لنا بأن نكون أفضل في التعامل الفاعل مع أمثلة العالم الحقيقي، والابتعاد عن التعليم بنظام الكتل والتعلم بالجملة، فالطلاب أو الطالبات لا بد وأن ينخرطوا في التعلم من تلقاء أنفسهم لحل مشاكل تعاني منها مجتمعاتهم والمعلم يتحول لمستشار أو موجه في التمكين المعرفي، فالمستقبل ملك للمبدعين والهدف الأساسي من التعليم هو تطبيق تلك العلوم والمهارات بتفوق في العالم الحقيقي، وأن تكون المدارس أكثر مرونة لفهم الثقافة والممارسات العالمية، وتعزيز دورها في المساعدة في سد الفجوة المعرفية بين مجتمعاتها والمجتمعات الأكثر تقدماً وإعادة صياغة وجدولة التحديات المحلية ومعالجتها بتدرج مدروس، فالمفتاح يكمن في التغلب على الرسوب، وتبرز هنا أهمية حاضنات ومراكز الإبداع المدرسية. وشخصياً أعتقد أن المدارس مسؤولة عن تحفيز التفكير حول القضايا المهمة، وليست مسؤولة فقط عن عدد الخريجين ومعدلاتهم المرتفعة، ولكن في المقام الأول على استعداد الطلاب للتفوق في الوظائف التي يحتاجها قطاع الصناعة والتجارة والخدمات والمجتمع بصورة عامة وبأن يكونوا مواطنين عالميين لديهم قيم إنسانية عليا. إن التطور المعرفي دون التقدم الموضوعي الفكري والابتكاري هو إعاقة حضارية لا يمكن إخفاؤها طويلاً ولا يمكن لشعب أن يكون جزءاً من منظومة التقدم العلمي والتعليمي ما لم يتعمق في فهم العوامل، التي توصل للمعرفة وإيجاد البنية التحتية لذلك بأيد وعقول محلية.