في أعقاب ما سمي «الربيع العربي» اهتز بنيان الدول التي تعرضت له وإن بدرجات متفاوتة، فكان الاهتزاز متوقعاً وعادياً في الحالتين التونسية والمصرية فضلاً عن قدرة الدولة في الحالتين على التصحيح، وكان شديداً في الحالتين اليمنية والسورية لكن الملامح الأساسية للدولة بقيت على أي حال، أما الحالة الليبية فقد ضاعت فيها الدولة حتى الآن كما حدث في الصومال منذ ربع قرن تقريباً وإن اختلفت التفاصيل بطبيعة الحال. غير أن الأزمة في الصومال لم تُثر من ردود الأفعال ما أثارته التطورات الحالية في ليبيا ربما لغياب الاتصال الجغرافي المباشر بين الصومال وباقي الدول العربية. أما ليبيا فهي تجاور دولاً عربية رئيسة تتحسب لتداعيات ما يجري فيها على أمنها ومصالحها الاقتصادية، ولا تستطيع هذه الدول أن تقف ساكنة أمام هذه التداعيات، فمصر على سبيل المثال تتعرض لمخاطر تهريب السلاح وتسلل الإرهابيين من حدودها مع ليبيا فضلاً عن المخاطر التي يتعرض لها المصريون العاملون هناك، بما في ذلك أعضاء البعثات الدبلوماسية المصرية والضرر البالغ الذي لحق بمصالح مصر الاقتصادية. والجزائر بدورها تتحسب لاحتمالات تسرب الإرهاب إليها عبر المسار الليبي، ولتونس أيضاً هواجسها رغم نظامها الذي تلعب فيه القوى «الإسلامية» دوراً مكيناً، فقد تعرضت لعدة أزمات بسبب التطورات الليبية سواء عندما حدثت اشتباكات بين القوى المتناحرة في ليبيا من أجل السيطرة على المعابر الحدودية بين البلدين، أو عندما تدفق الآف المصريين عبر الحدود الليبية- التونسية طلباً للنجاة. والسودان حريص على دعم القوى «الإسلامية» المتشددة تدعيماً لنظامه، بدليل قيام السلطات الليبية مؤخراً بطرد الملحق العسكري السوداني من أراضيها، بعد اكتشاف محاولة تهريب أسلحة إلى داخل البلاد في طائرة سودانية حطت في أحد المطارات الليبية، بالإضافة إلى مخاوف معظم النظم العربية من انتشار الإرهاب بصفة عامة. ولذلك كله، فإن ما يجري في ليبيا لا يمكن أن يكون معزولاً عن السياق الإقليمي، فضلاً عن أن مكانة ليبيا في إنتاج النفط وتصديره تجعل الأحداث التي تجري فيها بالضرورة موضع اهتمام دولي. وعلى الرغم من أن ما يجري في ليبيا يعد أمراً طبيعياً ومألوفاً في التجارب المقارنة لسقوط النظم الشمولية، فإن أحداً لا يملك رفاهية اللامبالاة للتطورات الليبية: لا الشعب الليبي ولا الدول المجاورة له ولا القوى الدولية ذات المصالح في ليبيا للاعتبارات السابقة. وقد اشتد القتال في ليبيا خلال الآونة الأخيرة وفقاً لخطوط عديدة يبرز من بينها خط الصراع بين القوى المتشددة التي تنسب نفسها للإسلام، وتريد الهيمنة الكاملة على الدولة الليبية والقوى التي تريد الحفاظ على الدولة وطابعها المدني الذي كانت حَرية باكتسابه في أعقاب سقوط نظام القذافي. ورغم أن رأس الرمح في هذه القوى يتمثل في قطاعات من الجيش الليبي بالإضافة إلى قوات «الكرامة» التي يقودها اللواء خليفة حفتر، فإن قطاعات يعتد بها من الرأي العام الليبي ونخبه المدنية يظاهر هذه القوى كما اتضح من انتخابات مجلس النواب الأخيرة في ليبيا. وبالإضافة إلى خط الصراع بين القوى المتشددة التي تنسب نفسها للإسلام وخصومها من العسكريين والقوى المدنية والرأي العام، فإن ثمة خطوطاً أخرى تعقد الصراع، منها ما هو اجتماعي (البنية القبلية وانعكاساتها على الصراع الدائر)، ومنها ما هو جغرافي (النزوع للفيدرالية وبالذات في شرق ليبيا)، ومنها ما هو خارجي. والمحصلة أن الدولة الليبية ضائعة حتى الآن، فهناك في ليبيا حكومتان هما حكومة عمر الحاسي التي كلفها المؤتمر الوطني العام الليبي المنتهية ولايته، وحكومة عبدالله الثني التي كلفها مجلس النواب المنتخب مؤخراً. ومفهوم بداهة أن ثمة سلطتين تشريعيتين الآن في ليبيا هما المؤتمر والمجلس، ولا تستطيع أي من هذه المؤسسات أن تفرض سلطاتها على كامل الدولة الليبية، ويتحدث البعض عن «احتمال» التدهور إلى حالة الحرب الأهلية بينما هي قائمة بالفعل. والسؤال الآن: هل يمكن أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية لهذا الوضع المأساوي؟ الإجابة بالقطع هي النفي، فالكلمة العليا حالياً للسلاح، وما زال الصراع يمر بالمرحلة التي تؤمن فيها أطرافه بأن بمقدور أي منها أن يحقق النصر، وسيمر وقت بالتأكيد قبل وصول الصراع إلى مرحلة «التجمد» Stalemate، وهي تلك المرحلة التي يتضح فيها عجز أي من طرفي الصراع عن تحقيق نصر حاسم على خصمه إلا بتكلفة عالية لا يستطيع تحملها، وهنا تدخل السياسة من الباب. والدليل على هذا أن مصر قد قدمت في الاجتماع الأخير لدول جوار ليبيا الذي انعقد بالقاهرة الشهر الماضي مبادرة متوازنة للتسوية، تضمن وضع نهاية لفوضى القتال الدائر في ليبيا عن طريق الوقف الفوري لكافة العمليات المسلحة وتنازل المليشيات بالتدريج عن أسلحتها، والتزام القوى الخارجية بالامتناع عن تزويد أطراف الصراع بالسلاح، ومراقبة كافة المنافذ الحدودية للتأكد من هذا، ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله، ودعم المؤسسات الشرعية للدولة والمساهمة في تأهيلها، ومساعدة الحكومة الليبية في تأمين الحدود وضبطها، وقد تبنت الدول المشاركة في الاجتماع هذه المبادرة، لكن شيئاً لم يحدث على أرض الواقع للاعتبار الأساسي الذي سبقت الإشارة إليه، وهو أن كافة الأطراف ما زالت تعتقد بقدرتها على حسم الصراع عسكرياً. بالإضافة إلى أن تنفيذ دول الجوار هذه المبادرة قسراً يحتاج التزاماً عالياً وموارد بشرية ومادية قد لا تسمح ظروفها بتوفيرها. والحل في رأيي أن تبادر الحكومة الليبية الشرعية فوراً بطلب الدعم السياسي والعسكري من جامعة الدول العربية، ولن يكون الاتفاق على هذا أمراً سهلاً بطبيعة الحال بسبب اختلاف مواقف الدول العربية تجاه ما يجري، أو بالأحرى وجود عدد من الدول سيرفض هذا التدخل، وبالتالي قد يزيد التشقق العربي وفي هذه الحالة يتعين على الحكومة الليبية الشرعية أن تتوجه بطلب التدخل إلى من تتوافق معهم من دول الجوار. وستكون مسألة التدخل العسكري بالذات حساسة وصعبة ولن ندخل الآن في تفاصيل بهذا الصدد، ولكن هناك بالتأكيد آليات فعالة للتدخل منها ما هو غير مباشر مثل التدريب السريع لوحدات القوات المسلحة والشرطة في ليبيا، وتزويد الحكومة الشرعية بالسلاح، وتقديم المشورة العسكرية والسياسية. وفي حالة التدخل المباشر ثمة آليات لتهدئة مخاوف الدول المتدخلة من مخاطر التدخل البري كالاكتفاء بالدعم الجوي والمساعدة في ضبط الحدود، وبمجرد تحقيق درجة معقولة من الفعالية في تقوية الحكومة الليبية الشرعية سيكون ممكناً البدء في جهود التسوية السياسية ودفعها، وهي تسوية لن تشمل بالتأكيد قوى العنف والإرهاب.