لفت مشهد قطع رأس الصحافي الأميركي الثاني على موقع «يوتيوب» بأيدي برابرة «داعش» الانتباه الأميركي أخيراً إلى سوريا. وبذلك نجح التنظيم المريض -من خلال دعايته «البارعة»- في ما لم ينجح فيه قتل مائتي ألف سوري أو حتى ظهور «الدولة» التي أخفقت «القاعدة» في إقامتها. وقد كان نشر فيديو مقتل «سوتلوف» يوم الثلاثاء الماضي، بعد أسبوعين على مقتل «فولي»، طعنةً في ظهر الأميركيين، حيث أظهر الرجلان شجاعة لا تصدق بينما كان قاتلهما الملثم الذي يتحدث بلكنة بريطانية يرفع سكينه. ودق الفيديو جرس الإنذار في الداخل بشأن خطر ترك هؤلاء المجانين يقيمون خلافتهم المزعومة على مساحات كبيرة في سوريا، حتى بينما تدحر الضربات الجوية الأميركية جهودهم في العراق. ويشعر الأميركيون بالغليان، وهناك غضب عارم في «الكونجرس»، وقال نائب الرئيس «جو بايدن»: «سنتعقبهم إلى أبواب جهنم حتى نقدمهم للعدالة». ولعل هذه اللحظة فارقة، إذ يمكن لأوباما أن ينقلب على تصريحه الذي أدلى به الأسبوع الماضي عندما قال: «ليست لدينا إستراتيجية بعد»، ويمكنه الاستفادة من مقطعي الفيديو لتوضيح التهديد الخطير الذي يشكله «داعش» على الأميركيين في المستقبل القريب، وهو تهديد يمكن أن يقتضي ضربات جوية أميركية مستقبلية على معسكرات التنظيم أو الحركات التابعة له في سوريا. ورغم ذلك أرى أن هذه الفرصة تتبدد بالفعل! فكل شيء قاله الرئيس منذ نشر المقطعين، بما في ذلك تصريحاته أثناء توجهه إلى قمة «الناتو» في ويلز، تظهر تردده في توجيه ضربة ضد الملاذ الآمن لـ«داعش» في سوريا. وأتفهم هذا التردد، فالأميركيون يساورهم القلق من أي تدخل في حروب شرق أوسطية أخرى، حتى إذا كانوا ينتقدون أوباما بسبب عدم إبداء كفاءة قيادية كافية في المنطقة. ومن غير المستغرب أن يطالب أوباما بتشكيل تحالف عالمي ضد الإرهاب، وهو الموضوع الذي سيطرحه في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الشهر الجاري. ويرسل أوباما أيضاً وزيري خارجيته ودفاعه، «جون كيري» و«تشاك هاجل»، إلى الشرق الأوسط الأسبوع الجاري بهدف تشجيع الدول العربية على محاربة الإرهابيين في منطقتها. وقد تأخرت هذه الجهود كثيراً، لكن لسوء الحظ فإن لها حدودها؛ ذلك أن مصداقية أوباما بين زعماء الشرق الأوسط تضررت بشكل كبير، وهو ما يرجع إلى تردده في الوفاء بخطوطه الحمراء السابقة وشن الضربات الجوية التي وعد بها بعد استخدام النظام السوري الغازات السامة ضد شعبه. وعلاوة على ذلك، من دون إبداء إرادة مقنعة لمحاربة تنظيم «داعش»، لن يتمكن أوباما من تحفيز زعماء الدول العربية على بذل المزيد. وعلى الأرجح، سيسعى زعماء الدول العربية إلى بذل جهودهم الخاصة في مواجهة التنظيم، من دون الاستماع إلى كيري. وفي النهاية، سيتعين على أوباما تحديد ما إذا كان تهديد «داعش» يبرر تحركاً أميركياً أحادياً، لاسيما أنه سمح بشن ضربات جوية أميركية في العراق، بعد أن استحوذ مقاتلو التنظيم على ثاني أكبر مدينة عراقية، وهددوا الحلفاء من الأكراد العراقيين. لكن الأكراد وحدهم لا يستطيعون مواجهة تنظيم «داعش»، والجيش العراقي ليس جاهزاً للقيام بهذه المهمة، كما أن الحكومة العراقية الجديدة التي يقودها الشيعة لن تكون على الأرجح شاملة بما يكفي لإقناع العشائر السنية بالنهوض ضد «داعش» ومن ثم التعرض لمخاطر قطع رؤوسهم. وفي سوريا، كان أوباما أشد تردداً في استخدام الضربات الجوية، لأنه ليس هناك حلفاء واضحون، مثل الأكراد العراقيين، يمكنهم توفير القوات البرية. وقد ضعفت ميلشيات المعارضة المعتدلة بدرجة كبيرة، ولا ينبغي اعتبار بشار الأسد شريكاً، ليس فقط لأنه قاتل وسفاح، ولكن أيضاً لأنه لا يرغب في مجابهة «داعش». وعليه، يواجه الرئيس أوباما مأزقاً مخيفاً، فقد قال يوم الأربعاء الماضي «إن الهدف الأميركي هو دحر وتدمير داعش، فهو لم يعد يمثل تهديداً على العراق فحسب، ولكن كذلك على المنطقة والولايات المتحدة أيضاً». ورغم ذلك، يعتبر تشكيل تحالف عالمي مناهض للإرهاب حلماً بعيد المنال. وفي حين يجب على أوباما الحفاظ على توفير غطاء جوي للأكراد وأي قوات عراقية أخرى متماسكة، لكن من دون القضاء على معسكرات تدريب «داعش» والحركات التابعة لها في سوريا من خلال ضربات جوية، سيواصل التنظيم التمدد والانتشار. ويعني ذلك أن على أوباما اتخاذ قرار حاسم، وقد قال يوم الأربعاء الماضي «إنه قبل إرسال الطيارين إلى القيام بعملهم، لابد أن يتأكد من أن هذه المهمة ستؤتي أكلها». وإذا كان يقصد بذلك تدمير التنظيم، فإن الضربات الجوية غير كافية، ولكن إذا كان هدفه تقليص قدرات مسلحي «داعش» ووقف زحفهم، فإن هذه الضربات ضرورية جداً. وفي الوقت الراهن، يعتبر تنظيم «داعش» أخطر حركة جهادية عالمية، وتساعد مقاطع الفيديو التي ينشرها في تجنيد آلاف المتطوعين الغربيين الذين يمكنهم العودة لوطنهم وإحداث دمار وخراب. وإذا كانت ثمة رسالة في مقتل «فولي» و«سوتلوف» فهي تحذير قوي اللهجة بأنه لابد من وقف عدوان «داعش». ------------- يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»