وهل لـ«داعش» وجه حسن؟ لربما كان هذا السؤال الذي يدور في مخيلة القارئ في أول ردة فعل له على عنوان هذا المقال. والحق يقال إن للقارئ الحق وكل الحق في ذلك. فما يطلق عليه تنظيم «داعش» ضرب للبشرية كل أنواع وصنوف التجرد من الإنسانية، فعاث في الأرض فساداً ولم يسلم منه المسلم ولا المسيحي ولا غيرهما. فأصبح الإعدام الجماعي وقطع الرؤوس علامة مسجلة لهذا التنظيم الإرهابي الذي تعمد توثيق هذه الجرائم البشعة، وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي في سعيه لبث الرعب لدى خصومه في سياسة باتت تُعرف بـ«إدارة التوحش». ولكن هل بالفعل يمكن أن يكون لـ«داعش» وجه حسن؟ لطالما عكس هذا التنظيم ومن قبله تنظيم «القاعدة» صورة مشينة للغاية للدين الإسلامي الحنيف ومبادئه السمحة الداعية على الدوام إلى نبذ التطرف والمغالاة في الدين. فسارت هذه التنظيمات في مغالاتها وتطرفها موظفة إياه للوصول إلى مآربها وغاياتها. فعكست نتيجة لذلك النهج صورة مغايرة للدين الإسلامي لدى الغرب حتى بات هذا الأخير ينتابه الرعب، ويرى في الإسلام فكراً منتجاً للعنف والتطرف حتى أصبح يتداول في الغرب مصطلح «إسلامفوبيا» في وصف الخوف من الدين الإسلامي. لقد دفع العالم الإسلامي الثمن غالياً للعمليات الإرهابية التي قام بها تنظيم «القاعدة»، ولاشك أن حادثة 11 سبتمبر قد أثرت كثيراً في صورة المسلم لدى الغرب. فأصبحت هناك خطوات حثيثة لتبيان الفرق بين الإسلام في حد ذاته ونهجه الوسطي الحنيف، وبين من يوظفه لإعطاء المبررات لتلك العمليات الإرهابية وإضفاء الشرعية على توجهاته. يعود «داعش» من جديد ليعيد معه التخوفات من انعكاس تمسحه بالدين على صورة المسلم لدى الغرب. وهنا يكمن الوجه الحسن لـ«داعش»! فمواقف الدول الإسلامية الرافضة لنهج هذا التنظيم وسلوكياته الوحشية لاشك أنها ستزيد من قناعة من يلصق مثل هذه الأفعال بالعالم العربي والإسلامي وبالدين الإسلامي ذاته، بضرورة وضع خطوط فاصلة بينهما. وهذا الأمر لاشك أنه يتطلب معه خطوات واستراتيجيات واضحة للدول العربية والإسلامية، تستطيع من خلالها أن ترسل رسائل قوية للغرب، لكي تنتهي معها تلك النظرة الغربية التي تربط تلك التنظيمات الإرهابية بالدين الإسلامي، وضرورة تأكيد أن خطر هذه التنظيمات لا يقتصر على الغرب فحسب بل إن شرر تنظيم «داعش» يمتد أولاً ليطال المنطقة بأسرها. هذا الأمر بدوره يعتبر وجهاً حسناً لتنظيم «داعش». حيث إن شمول هذا الخطر لابد أن يساهم في تعزيز التعاون بين دول المنطقة والتنسيق فيما بينها لمواجهة هذا التنظيم. ولعل عقد مؤتمر عربي إسلامي لمناقشة سبل مواجهة هذا التنظيم بات أمراً ملحاً وفرصة لتوسيع المنظور الاستراتيجي للدول، بحيث يصبح الأمن والمصلحة الجماعية يطغيان على المصالح الذاتية للدول كل على حدة. مما تقدم يمكن تحديد الوجه الحسن لتنظيم «داعش»، من خلال توظيف عملياته الإرهابية لتبيان التالي: • رفض الدين الإسلامي لمثل هذا النهج. • تأكيد رفض العالم العربي والإسلامي لما يقوم به تنظيم «داعش» واستهجانه عن طريق حملات حكومية وشعبية. • فرصة لتعزيز التعاون العربي والإسلامي لدرء مخاطر هذا التنظيم وسائر التنظيمات الإرهابية التي تسوّق صورة مشينة ومغايرة تماماً لديننا الحنيف. • التنسيق على المستوى الإقليمي ووضع خطط مدروسة لمواجهته فكرياً وعملياً. • الانفتاح على العالم الغربي وخلق تحالف دولي على اعتبار أن هذا التنظيم هو خطر عالمي لا يستثني أحداً. ولعلنا ننطلق من النقطة الأخيرة، لنرى أن هناك تحركات دولية حثيثة لمواجهة هذا التنظيم، وعلى ما يبدو يسعى الغرب ممثلاً في القوى الرئيسة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول، إلى خلق منظومة وتعاون دولي يتجه جهده نحو مواجهة فعلية لتنظيم «داعش». والحقيقة أن الأمر الذي يجب أن يكون درساً مستفاداً من الوجه الحسن لـ«داعش» هو ضرورة البحث عميقاً عن المسببات التي تدفع إلى ظهور هذه التنظيمات وتوجهاتها الإرهابية، فلا يكفي أن نقول إنه قد تم القضاء على «داعش» وحسب، بل يتوجب تكاتف الجهود لمحاربة مثل هذه التنظيمات فكرياً وإفراغها من تلك «الشرعية» التي تحاول الوصول إليها، عن طريق تعرية هذا التنظيم من أسسه التي يرتكز عليها في سبيل استقطاب عناصر جديدة لذلك. إن دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله لإقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب قبل سنوات عدة، كانت بالفعل استشرافاً لنوعية الدور الذي يجب أن تقوم به دول العالم لمواجهة ظهور مثل هذه التنظيمات. فبعد أن خفت صوت «القاعدة» نتيجة الضربات المتلاحقة ضدها في مختلف البقاع التي تنشط فيها، جاء تنظيم «داعش» ومن ورائه «جبهة النصرة» ليكونا امتداداً للفكر الذي تتبناه «القاعدة». وبالتالي يصبح الجهد الدولي في قراءة هذا الفكر وانتخاب السبل المثلى لمواجهته فكرياً، أمراً لا يقل بأي حال من الأحوال عن مواجهته عسكرياً. وبعيداً عن الجهد الدولي، تقع على عاتق دول المنطقة ورغم وجود تباين بينها في قراءة بعض ملفات المنطقة، المهمة الكبرى في مواجهة هذا التنظيم ليكون وجهه الحسن هنا في ردم الفجوات بين دول المنطقة. إذن فلتنظيم «داعش» وجوه حسنة وليس وجهاً حسناً واحداً فقط! غير أن هذه الوجوه تحتاج إلى جهد جهيد لظهورها في مقابل الوجه القبيح لـ«داعش»، ويأتي تكاتف الجهود وتوحيد الاستراتيجيات بين دول المنطقة والعالم لتلعب دورها في ظهورها.