عندما بلغ عمري الخامسة والعشرين، وذهبت إلى الولايات المتحدة لإكمال دراساتي العليا، طُلب مني إجراء بعض الأبحاث في مختبر الجامعة الإلكتروني، كانت تلك من أصعب لحظات حياتي في التعليم، فلم أكن أعرف عن الكمبيوتر إلا اسمه، عندها أعلنت استسلامي وعرفت نقطة ضعفي، فذهبت إلى من يعلمني فن التعامل مع الحاسوب، لأنني من جيل تعلم على السبورة والطبشورة...هذا كان ملخصاً لواقع مدارسنا وجامعاتنا في تلك الفترة. اليوم دخل مدارسنا جيل جديد من التلاميذ يصدق فيهم قول عمرو بن كلثوم في الجاهلية: إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له «الحواسب» ساجدينا.. مع الاعتذار للشاعر لأنه قال «تخر له الجبابر ساجدينا». نعم نحن اليوم مع جيل رضع حب التكنولوجيا قبل فطامه، وتعود إصبعه الواحد على تحريك الأجهزة اللوحية الرقمية المختلفة، فإذا دخل هذا الجيل رياض الأطفال أو المدرسة، ووجد أن المعلم مازال يدرس بالطبشورة والسبورة، أو ما حل مقامهما، فسيقول في نفسه لِمَ رجعت إلى عصر الجاهلية والكهوف العقلية المتخلفة، وسيصاب بإحباط نفسي وعقلي يحول بينه وبين التمدرس، لأن التعليم حينها ليس ذا معنى لهذا الجيل الرائع من التلاميذ. مع تقديري واحترامي لكل جهود التطوير الجادة في تعليمنا، فما هو المطلوب منا؟ التعليم رغم من كل مظاهر التطور التقني الذي شهده في السنوات الماضية مازال مقيداً بفلسفة التعليم التقليدية، بلغة مبسطة المعلم قد يستخدم الحاسوب في فصله، لكنه يقول في عقله «اللاواعي» الضرب أحسن طريقة لتربية هذا الجيل، والتحفيظ والتسميع وسيلة ناجحة للتعليم، والمحاضرة وإلقاء الدروس وصمت المتعلمين أثناء ذلك معادلة لابد منها للنجاح، مشاهد لا زلنا نلاحظها ونسمع حفيفها في مدارسنا رغم كل جهود التطوير التي سخرت، مع تقديري واحترامي لكل معلم لم يعد كذلك. فلسفة التربية التي تكوّن عليها جل المعلمين مازالت قديمة، لذلك نرى انعكاس هذه الفلسفة على أداء المعلمين. النظرة الحديثة للتعليم تركز على الفلسفة البنائية، والتي تتلخص في أن كل إنسان منا له طريقته الخاصة في بناء معرفته وتطوير قدراته. نعم هناك قاسم مشترك بيننا كبشر، لكن تفريد التعليم أضحى لازماً اليوم مع جيل «الديجتال» كما يسمى Digital Generation، لقد بينت الدراسات التربوية العملية أن التعليم النشط الذي يتمحور حول نشاط المتعلم في الفصل وخارجه ويكون للمعلم دور الإرشاد والتوجيه هو تعلم سهل يحبه التلاميذ لأنهم يجدون أنفسهم يمرحون ويلعبون وفي الوقت نفسه هم يتعلمون، في مقابل المناهج المعرفية المشهورة بالحشو والتكرار الذي يكرهه التلاميذ، وهو تعليم يساعد المتعلم على التمكن من المعرفة واكتساب خبراتها، بينما تعليم الذاكرة قصيرة المدى يجعل المتعلم يحفظ لأجل الاختبار، فإن تجاوز تلك المرحلة نسي كل ما تعلمه سابقاً، وهو تعليم يعزز الابتكار والإبداع، وينمي قدرات التفكير المختلفة لدى المتعلم، بينما يسهم التعليم التقليدي في نشر ثقافة الإتباع، ويُنمي عضلة واحدة لدى الإنسان وهي الذاكرة. كل ما سبق من إيجابيات في نظريات التربية المعاصرة يقودنا إلى أمر واحد، وهو إعادة تأهيل المعلم ومناهج التعليم وأساليب القياس والتقويم بما يتناسب مع هذه الفلسفة، وإلا فإننا نحن المسؤولين عن عزوف التلاميذ عن التعليم وانخفاض دافعيتهم له لأنهم لا يريدون العيش في زمن غير زمانهم.