عندما كانت الحشود في فنيدق بعكّار (لبنان) يوم الأربعاء في 3/9/ 2014، تودع جثمان الجندي علي السيد الذي ذبحته «داعش» في جرود عرسال، كان المسلحون بحي جوبر على مشارف دمشق يعلنون عن صد الهجمة العشرين من جانب قوات النظام و«حزب الله». وكان البرلمان العراقي يعقد جلسة خاصة للاستماع إلى تقارير كبار العسكريين العراقيين عن أسباب اختفاء مئات الجنود في معسكر سبايكر على أطراف تكريت في يونيو 2014 إباّن هجمة «داعش» التي لم تنته باحتلال الموصل. فاللغز أنّ هؤلاء الجنود ما ظهروا بين الأحياء (الهاربين) أو الأموات (الصامدين أو المذبوحين!). وفي اليوم ذاته، أي يوم حشود عكار الجنائزية، كان عبدالملك الحوثي يزيد من إطباقه على صنعاء بالحشود والسلاح بحجة عدم تلبية الحكومة اليمنية لمطالبه؛ بينما كان مسلَّحو «فجر ليبيا» (وأي فجر وفجور!) يعلنون استيلاءهم بالكامل على العاصمة طرابلس؛ بينما كان أردوغان يُنكر على البرلمان الليبي المنَتَخب حقَّه في الاجتماع بمدينة طبرق بدلا من طرابلس! ويومها زار نوري المالكي، رئيس وزراء العراق المنتهية ولايته، بلدة أمرلي (سكانها من الأكراد الشيعة) محتفلا بتحريرها، ومهلِّلا بتحويل العراق مقبرة لـ«داعش» (بواسطة الطائرات الأميركية بعدما فرّ جيشه المقدام!). وبالوسع بالطبع الاستمرار في عَدِّ الحشود والمذابح والجنائز والانتصارات الميمونة وغير الميمونة، في خمس أو ست دول عربية فيما بين العراق والصومال. لكن ما نريد إثباته تكفي فيه هذه الأمثلة الفاقعة الغاصة بالمآسي والدماء. وفي حالة كهذه، يحاول المراقب أن يحشد الظواهر والمظاهر في «مجموعات» ليسهُلَ عليه ردُّها إلى أصول وعِلَل يمكن فهمُها. ولأن الفهم استعصى عليّ ( وعلى غيري!) فسأُحاول أن أُتابع تصرفات سائر الفرقاء المعلنين وغير المعلنين؛ وهذا أمر قد لا يفيد كثيراً، لكنه المخرجُ الوحيد الممكن. الواقعة الأولى: عودة الأميركيين بعسكرهم ودبلوماسيتهم للمنطقة ابتداءً من أواخر شهر يونيو 2014. ولأنهم حضروا مُرغَمين بسبب هجمة «داعش» على الأكراد والأقليات؛ فقد كانت لهم اشتراطات كثيرة إظهاراً لعدم رغبتهم في ذلك. فهم اشترطوا أولا زوال المالكي وإقامة حكومة متوازنة، للتوقف عن اضطهاد السنة والأكراد. وأيدهم في هذا الشرط المرجع الديني الأعلى لدى شيعة العراق. وقد تنحى المالكي دون أن تتنحى شروره. وما تشكلت الحكومة البديلة بعد، ولا أحد يدري متى تتشكل. وقد استنقذت الغارات الأميركية مدينة أربيل الكردية، وأجْلت «داعش» عن سد الموصل. ويعمل الأميركيون والأوروبيون على إنارة الرأي العام الأميركي والأوروبي بشأن خطر «داعش» من أجل الإقناع بالتدخل إذا كان ذلك ضرورياً. وقد طور أوباما شروطه بالدعوة للتعاون مع الدول السنية في مواجهة «داعش». ثم قال أخيراً إن بناء التحالف الدولي والإقليمي ضد التنظيم يحتاج لوقت، وذلك لكي تكثر الرجاءات والاستغاثات من جهة، ولتدبير النفقات من جهة ثانية. الواقعة الثانية: كانت الصدمة التي نزلت بإيران نتيجة ثوران «داعش»، شديدة وقاسية. لذلك اتخذ الجنرال سليماني إجراءات من نوعين: حاول القيام بهجمات مضادة في العراق وبخاصة في تكريت، فما استطاع. وحشد المليشيات الشيعية التي كانت بسوريا، واستقدم خبراء من «حزب الله» للعراق. ثم وافقت إيران على استبدال المالكي، ونحّتْ سليماني صديقه عن الملف. وتشاركت إيران مع أردوغان في تحميس «حماس» بغزة لشن الحرب وإحراج أميركا وإسرائيل. وسليماني العائد من العراق إلى سوريا شن مع النظام والحزب هجمات بريف دمشق لإعطاء الأسد موقعاً تفاوضياً أفضل؛ وذلك بعد أن فشلت هجمات الأسد (للدعاية أيضاً!) بشمال سوريا. وما كانت لذلك نتيجة أيضاً. فـ«داعش» هزمت الأسد في الشمال، والصراع على ريف دمشق ودرعا والقنيطرة شديد المَوَران وليس فيه حتى الآن غالب ولا مغلوب. ولذلك أخرجت إيران حصانها أو بيدقها الأخير: أي الحوثي، والذي بعد الاستيلاء على عَمران، يريد الآن الاستيلاء على صنعاء. ومن المنتظر أن تحرك إيران الانفصاليين بجنوب اليمن أيضاً. ووسط هذا الهول، واستنجاد الرئيس اليمني بالسعودية، جاء إلى المملكة نائب وزير الخارجية الإيراني إظهاراً لقدرات إيران في الصمود وقدراتها على الإزعاج. وما رشح شيء عن المحادثات وحدودها وآفاقها. لكن إيران فيما يبدو ستتخلى عن «حماس» سراً وليس علناً. وستحاول استمرار التعطيل في لبنان، والاستنزاف في اليمن. الواقعة الثالثة: سارع النظام السوري، وسط تكاثر الأحاديث العلنية عن «داعش» في سوريا؛ إلى عرض تعاوُنه على الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، وكذلك فعلت إيران. لكن الأميركيين ما أظهروا نياتهم بعد. وهل عندما يكتمل «التحالف»، سيتعاونون مع الأسد، أم سيحاولون استبداله بالتعاون مع الدول العربية، كما فعلوا مع المالكي بالعراق. المسألةُ هنا ما عادت في شرعية النظام السوري أو عدم شرعيته، بل كيف يمكن النيل من روسيا وإيران بعد أن أفشلتا الولايات المتحدة في سوريا وغيرها. فما بعد أوكرانيا ليس كما قبلها! ثم مَن الذي يواجه «داعش» على الأرض بسوريا بالتوازي مع قصف الطيران؟ سيحتاج الأميركيون لتركيا الداخلة في الحلف الأطلسي، لكن الجيش التركي شديد الحذر؛ ليس بسبب «داعش»؛ بل بسبب روسيا وإيران وأكراد شمال سوريا. وثاني قوة في سوريا بين المعارضين هي جبهة «النُصرة»، وهي فرعٌ لـ«القاعدة» أعلنته الولايات المتحدة تنظيماً إرهابياً منذ أكثر من سنة! فليس من الواضح ماذا سيجري في سوريا ضد «القاعدة»؛ ذلك لأنّ العسكريين يوردون احتمالين: احتمال تطويق «داعش» في العراق وتصفيتها وهذا يستغرق وقتاً. واحتمال ترك منفذ لها بحيث تندفع متراجعة إلى شمال سوريا، وهذا يعني استمرار المعاناة السورية، واستنزاف نظام الأسد و«حزب الله» وإيران وروسيا، قبل الإقدام على مصارعة «داعش» بغير الطيران! والواقعة الرابعة: سقوط حسابات إيران بفلسطين. لكن «حماس» وجدت حاضناً في تركيا. وأبومازن يريد المضي في إقامة الدولة. لكن إسرائيل غير متعاونة، وكذلك «حماس». وإذا استجابت إسرائيل قبل الانتخابات؛ يمكن لتركيا أن تضغط على «حماس» للتعاون مع أبومازن إن كانت أميركا مهتمة بالسلام فعلا. بيد أن أوراق إيران ما انتهت بذهاب المالكي، فعندها الكثير في العراق، ورهانات في سوريا ولبنان، وإصبع باليمن. وستحاول ابتزاز السعودية وابتزاز أميركا في كل هذه الملفات، بحيث يبدو أنها لم تخسر شيئاً. الواقعة الخامسة: الوضع في ليبيا حالة قائمة بحد ذاتها، وفيه مخاطر كثيرة على دول الجوار وعلى أوروبا. ولذا فإن «التدبير» ينبغي أن يكون سريعاً، وأن تدخل فيه مصر والجزائر، وأن يكون مرعياً من أوروبا والولايات المتحدة. كل هذه الأُمور سوف تستغرق عاماً على الأقل، حتى يحدث «التحالُف»، وينتظم الإقليميون، ويوافق الروس، بحيث تُتخذ قرارات في مجلس الأمن. وبانتظار حصول ذلك كله، ستستمر مواكب الحشود والمذابح والجنائز. ففي أقل من خمس سنوات هناك نصف مليون قتيل عربي، واثنا عشر مليون مهجر. وبين الطغيان والطائفية والإرهاب، تظل الأمور شديدة الصعوبة!