يُقال إن ثوراتنا العربية في الخمسينيات والستينيات لم تستطع حل قضية الحرية والديمقراطية، حيث بدأت بمنع الحرية عن «أعداء الشعب»، وعزلهم عن الاشتراك في البناء الديمقراطي والحياة السياسية، ثم أصبح «أعداء الشعب» قبل الثورة هم كل معارضي الثورة! وبعد اصطدامات عدة مع قوى المعارضة تحولت الثورات الوليدة حينذاك إلى أنظمة تقوم على التسلط والرأي الواحد والحزب الواحد. فإذا نشأت معارضة فإنها تنشأ من داخل السلطة وليس من خارجها، وبتشجيع وتأييد منها وليست مناهضة ومعارضة لها. وقد نشأت أزمة الحرية والديمقراطية في نظمنا الثورية خلال ذلك العهد، لأنها موجودة في وجداننا المعاصر، وترجع جذورها إلى أبنيتها العقلية ومكوناتنا النفسية التي ورثناها من تراثنا القديم مثل حرفية التفسير، وسلطوية التصور، وتكفير المعارضة، وتبرير المعطيات، وهدم العقل، في بعض الحالات. إن مهمة المفكرين الأحرار هي انتزاع بعض هذه الجذور التاريخية وتأصيل الحرية والديمقراطية في حياتنا المعاصرة عن طريق غرز جذور عقلية جديدة تقوم على إمكانية التأويل طبقاً لصالح الجماهير، وعلى تصور للعالم تتساوى فيه الأطراف، وعلى إمكانية الخلاف في الرأي، وعلى تحليل العقل لمظاهر الطبيعة، وإعمال العقل والنظر وعدم قبول رأي على أنه حق إن لم يثبت بالدليل أنه كذلك. كما قيل إن في ثوراتنا العربية تلك فرقاً شاسعاً بين الشعار والتطبيق. فالحرية والاشتراكية والوحدة، هذه الشعارات الثلاثة التي تكاد تجمع عليها تلك الثورات في الجيل السابق، والتي تعبر بالفعل عن أهداف ذلك الجيل القومية، كانت في جانب والواقع العربي في جانب آخر. فالحرية كشعار تقابل التسلط كواقع، والاشتراكية كشعار تقابل الطبقات الجديدة، والرأسمالية الوطنية، والكسب غير المشروع، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء كل ذلك كواقع. والوحدة كشعار تقابل تمزق الوطن العربي وتفتيته، وإغلاق حدوده، وقطع علاقاته، في بعض الأحيان، وتهديد أنظمته كواقع عملي. وقد يرجع ذلك كله إلى جذور تاريخية في وعينا القومي مستمدة من تراثنا القديم الذي ما زال يمدنا بأبنيتنا الذهنية الفوقية وهو تحديدنا للأمة على أنها أمة قول. ويأتي العمل في الدرجة الثانية بعد القول، وقد لا يأتي أساساً. هذا بالإضافة إلى أن القول في تراثنا الشعبي كان هو الواقع. فتكسب المواجهات بالقول على ما هو معروف في شعر الحماسة وفن الخطابة. وما زلنا نحل بعض المشكلات بالقول تهدئة للخواطر، وتفريجاً للكروب. إن مهمة المفكرين الأحرار هي إعادة صياغة تجديدنا للأمة ليس عن طريق القول بل عن طريق العمل وتحقيق الأهداف القومية، وعن طريق المضمون السياسي للتوحيد الذي يعني وحدة وجدان الأمة. وقد عرفت أيضاً ثوراتنا العربية في الخمسينيات والستينيات بأنها انتهت إلى سكون إداري، ولم تستطع القضاء على البيروقراطية في أجهزة الدولة والروتين في نظم الحكم. فقد قامت الثورات لتغير في قمة السلطة من دون أن يصاحب ذلك تغيير مماثل في أجهزة الدولة. فتسربت قوى الثورة وضاعت طاقاتها، ولم تنجح محاولات الحكم المحلي واللامركزية والقرارات الثورية والإجراءات الاستثنائية في التخفيف من تغلغل البيروقراطية في الحياة العامة. والحقيقة أن البيروقراطية ترجع إلى جذور تاريخية في وعينا القومي في تصورنا للعالم، من القمة إلى القاعدة. وهذا التصور الهرمي للعالم الذي عُرف في فلسفاتنا القديمة بنظرية الصدور أو نظرية الفيض هو الذي يسمح بقيام البيروقراطية والمجتمع الطبقي في حياتنا المعاصرة، لأن نظمنا الاجتماعية هي في الحقيقة تعبير عن مكوناتنا النفسية وقوالبنا الذهنية. والأمثلة كثيرة. إن مجتمعاتنا النامية ما زالت ترتبط بتراثها لأنه يمدها بقيمها التي توجه سلوكها، ومن ثم كان البناء الفوقي الذهني لديها هو حياتها ووجودها، فكرها وواقعها، ماضيها وحاضرها. ومهمة المفكرين الأحرار إذن في تلك الفترة هي تحويل هذا البناء الفوقي الموروث، وهو ثقافة الجماهير، إلى أيديولوجية سياسية تحمل أهدافنا القومية، وبالتالي تنشأ حركة جماهيرية متحدة مع فكر قومي طليعي. فمهما أعطي للجماهير من شعارات تعبر عن أهدافنا القومية من دون ربطها بثقافتها الوطنية، والتي يكون تراثها القديم رافدها الأساسي، فإن هذه الشعارات تظل فارغة من كل مضمون. وما دام البناء الفوقي ظل متروكاً بلا وظيفة تحديثية فإن القوى الماضوية في مجتمعاتنا تقوم باستغلاله لصالحها، ويكون خير وسيلة في يدها لتدعيم الوضع القائم ضد قوى التغير والثورة. ولذا كانت مهمة المفكرين الأحرار يومذاك هي القيام بإعادة صياغة الموروث الشعبي وتفسيره لصالح الجماهير دفاعاً عن مصالح الأغلبية التي تدعم الحكم أو تشارك في تسيير وسائل الإنتاج حتى يمكنها فيما بعد الدفاع عن مصالحها بالدفاع عن ذاتيتها الخاصة. ومن ثم يصبح تراثها مساوياً لمقاومة الاستعمار، وللعداء للرأسمالية، ولمناهضة الصهيونية، والوقوف ضد القوى الماضوية. وبهذا يستطيع المفكرون الأحرار إذن إكمال النقص النظري الذي تركه الضباط الأحرار في ثوراتنا العربية خلال النصف الثاني من القرن الماضي. كما يمكنهم سد النقص العملي عن طريق توعية الجماهير، وجعلها خط الدفاع الأول عن أهدافنا القومية حتى إذا ما اختفى الزعيم لم تختف الأهداف أو تحولت إلى نقيضها، والجماهير تصفق لكليهما. إن جماهيرنا عاطفية وحماسية، على الأقل في مرحلتها التاريخية الحديثة والمعاصرة، ومن ثم كانت ثقافة الأصالة والتراث هي نبع هذا الحماس. ومن هنا كان دور المفكرين الأحرار هو استغلال هذه الطاقات الكامنة في وعي الجماهير وتوعويتها وتحفيزها، ليتحول تراثها من تراث ميت إلى تراث حي، وتصبح حركتها في العمل والإنتاج أقرب إلى الدوام والاستمرار.