تبدو منظمة الصحة العالمية انتهازية بالنظر إلى موقفها من مشكلات الصحة عامة تتصدر الصفحات الأولى للصحف والمجلات؛ حيث تدعو دائماً إلى أموال أكثر بكثير لتخصيصها لـ«مرض الشهر». وأحدث هذه الأمراض على رادار منظمة الصحة العالمية هو فيروس إيبولا في منطقة غرب أفريقيا، والتي بلغت حالات الإصابة فيها 1500 حالة. ومن أجل معالجته، تريد منظمة الصحة العالمية أكثر من 430 مليون دولار، من الحكومات وبنوك التنمية والقطاع الخاص. المخطط، الذي لُخصت خطوطه العريضة في وثيقة سيتم نشرها قريباً وأشارت إليه شبكة «بلومبيرج» الإخبارية، يسعى -على ما يفترض- إلى منع حدوث إصابات جديدة في غضون فترة شهرين، ووقف كل أشكال انتقال العدوى خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر. لكن المثير للاهتمام هو أن المبلغ المالي الذي تقول منظمة الصحة العالمية الآن أنها بحاجة إلى جمعه من أجل مواجهة هذا الداء الفتاك يمثل ستة أضعاف المبلغ الذي كانت تدعو إليه قبل أقل من شهر، وهو 71 مليون دولار. بيد أن ذلك المقترح يبدو أشبه بما قد يقترحه طالب في المدرسة بخصوص مشروع في الصحة العامة. فمما لاشك فيه أن إيبولا مرض فتاك، إذ يقتل أكثر من نصف الأشخاص الذين يصابون به، لكنه ليس معدياً بشدة لأن انتقاله يتطلب اتصالًا مباشراً مع سوائل شخص مصاب ظهرت عليه أعراضه، وبالتالي فمن غير المرجح أن يتسبب في وباء واسع الانتشار. ومن المعروف أن الأمراض المعدية، والكثير منها يمكن تجنبه وعلاجه، تصيب السكان الفقراء بشكل خاص، مثل أولئك الذين يعيشون في أجزاء كبيرة من أفريقيا؛ لكن فيروس إيبولا ليس هو الذي يتصدر القائمة، وإنما الملاريا. ولنتأمل فيما يلي تقييم منظمة الصحة العالمية نفسها لخطورته. تقول المنظمة: «إن حوالي 3?4 مليار شخص –أي زهاء نصف سكان العالم- يواجهون خطر الإصابة بالملاريا. في عام 2012، كانت ثمة حوالي 207 مليون حالة إصابة بالملاريا وما يقدر بـ627 ألف حالة وفاة جراء الإصابة بالملاريا؛ غير أن تعزيز إجراءات الوقاية من المرض والسيطرة عليه أدت إلى انخفاض معدلات الوفيات بسبب الملاريا بنسبة 42 في المئة على الصعيد العالمي منذ عام 2000 وبنسبة 49 في المئة في المنطقة الأفريقية». غير أنه في كل البلدان الفقيرة التي تتفشى فيها الملاريا، هناك وصول غير كاف للأدوية والعقاقير المضادة لهذا المرض. والحال أنه من شأن الـ430 مليون دولار التي تسعى إلى جمعها المنظمة اليوم أن تشتري وتوزع الكثير من تلك الأدوية (والتطعيمات من أجل تجنب أمراض مثل الالتهاب الكبدي «أ» و«ب» وفيروس الورم الحليمي البشري) وإفادة عدد أكبر بكثير من الناس. وإلى جانب الملاريا، يعاني مئات الملايين من أمراض استوائية مهمَلة، مثل داء الخيطيات اللمفاوية أو داء الفيل والكوليرا. كما أن عدد الحالات الجديدة من داء السل على الصعيد العالمي آخذ في الازدياد، حيث يبعث الظهور المتزايد لسلالات جديدة من البكتيريا المقاومة للدواء على القلق بشكل خاص. ولنتأمل أيضاً فيروس «إتش آي في» (الإيدز). فالعام الماضي، أفاد برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة «إتش آي في» بأن الحالات الجديدة للإصابة به في «تزداد في كل من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى بنسبة 13 في المئة منذ عام 2006»، كما «شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضاعف عدد الحالات الجديدة للإصابة بإتش آي في منذ عام 2001». ووفق الأمم المتحدة، فإن الأموال محدودة؛ ذلك أن «الاستثمارات التي تركز على الوصول إلى السكان الأساسيين لم تستطع مواكبة انتشار حالات العدوى؛ كما أن التمويل الخاص بخدمات الوقاية من الإيدز في شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي بلدان أفريقيا جنوب الصحراء؛ والاستثمارات قليلة ومتأخرة في عدد من البلدان التي ترتفع فيها حالات الإصابة بالإيدز بين الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بواسطة الحقن... وفي البلدان ذات الأولوية، يتلقى ثلاثة أطفال فقط من أصل عشرة علاجاً لمكافحة المرض وفق المبادئ التوجيهية للعلاج التي وضعتها منظمة الصحة العالمية عام 2010. كما أن الأطفال حاملي فيروس الإيدز مازالوا يعانون من فترات توقف عن العلاج». ووفق أرقام الأمم المتحدة، فإن حوالي 15 في المئة من سكان العالم يفتقرون إلى الماء الصالح للشرب. كما أن أكثر من 2?5 مليار شخص ليست لديهم مرافق صحية كافية، فيما «يضطر 1?1 مليار شخص لقضاء حاجاتهم في العراء». ومازالت المقاربات البدائية لإدارة أنظمة الصرف الصحي تتسبب في انتشار أمراض، مثل البلهارسيا والتراخوما والتهاب الكبد الفيروسي والكوليرا. وخلاصة القول إنه في عالم يتسم بمحدودية موارد الرعاية الصحية، علينا أن نتخذ قرارات تفضي إلى نتائج ذات تأثير كبير بالنسبة لمعظم الناس وبأقل كلفة؛ غير أن إنفاق قرابة نصف مليار دولار على مكافحة فيروس إيبولا سيمثل قراراً غير موفق بدون شك. هنري آي. ميلر زميل مؤسسة هوفر التابعة لجامعة ستانفورد الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»