مع مطلع القرن الحادي والعشرين، أطلق بعض المحللين على القرن الجديد لقب «القرن الآسيوي» اعترافاً بالأهمية المتنامية لعدد من البلدان الآسيوية في شؤون العالم، لاسيما الصين والهند، حيث أخذ النمو المذهل لهذه البلدان ينقل مركز ثقل الاقتصاد العالمي إلى القارة الأكبر في العالم. غير أن الحديث عن آسيا بدا مقتصراً على البعد الاقتصادي فقط، حيث كانت المؤشرات الاقتصادية -مثل الناتج المحلي الخام، والدخل الفردي، ونصيب البلاد من حجم التجارة العالمية– هي التي تستأثر بجل الاهتمام بينما كانت مواضيع أخرى لا تقل أهمية مثل السياسة والتاريخ لا تحظى بما تستحقه من اهتمام. وهذا ما يحاول كتاب «صناع آسيا الحديثة»، الذي نعرض هنا، معالجته؛ حيث يروم إعادة توجيه فهمنا لآسيا المعاصرة عبر تسليط الضوء على زعماء سياسيين بارزين ساهموا في إطلاق ما بات يعرف بـ«القرن الآسيوي». الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات ألفها ثلة من الكتاب والأكاديميين الغربيين والآسيويين، تستعرض أهم المحطات والإنجازات في الحياة السياسية لأحد عشر زعيماً آسيوياً تركوا بصماتهم في تاريخ بلدانهم. وفيه يذكِّر محرر الكتاب، المؤرخ الهندي راماشاندرا جوها، بأن التركيز على الصعود الذي حققته آسيا خلال السنوات الأخيرة بدون دراسة التطورات السياسية التي سبقته، إنما يعني تجاهل بنية تلك البلدان وطبيعتها، مجادلا بأنه من خلال فهم حياة أولئك المؤسسين نستطيع فهم واستيعاب العمليات السياسية والاجتماعية الأكبر التي أسسوا لها في بلدانهم. قوة الكتاب تكمن في الأحد عشر زعيماً الذين يغطيهم، ووزن الكُتاب الذين اجتمعوا ليحكوا قصص أولئك الزعماء الآسيويين، ومن هؤلاء «جوها» نفسه الذي كتب عن مهاتما غاندي، الأب الروحي للهند وأيقونة مقاومة الاستبداد من خلال العصيان المدني ونبذ العنف، اللذين أديا إلى استقلال البلاد وألهما الكثير من حركات الحقوق المدنية والحرية في العالم، والمؤرخ البريطاني «رانا ميتر» الذي كتب عن ماو تسي تونغ، الزعيم الصيني صاحب مشروع «القفزة الكبرى إلى الأمام» و«الثورة الثقافية»، والذي يعتبره البعض في الغرب مسؤولا عن أكبر عدد من الوفيات مقارنة بأي زعيم معاصر آخر. ويضم الكتاب بورتريهات لثلاثة زعماء صينيين آخرين، اثنان منهم -وهما زو إن لاي ودينج شياو بينج– صنعا اسماً لنفسيهما عبر نأيهما عن سياسات «ماو» السابقة. أما الزعيم الصيني الثالث، فهو شيانج كاي شيك، الذي انتهى به المطاف في المنفى مؤسِّساً إحدى أعظم قصص النجاح الآسيوية في تايوان. جوها أدرج ضمن الكتاب هنديين آخرين هما جواهر لال نهرو، الذي يُعتبر أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند وأول رئيس وزراء للبلاد بعد الاستقلال، وابنته إنديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند من 1966 إلى 1977. ثم هناك زعيم استقلال فيتنام «هو تشي منه»، و«لي كوان يو» مؤسس سنغافورة الحديثة الذي كان أول رئيس وزراء لجمهورية سنغافورة وقد حكمها لثلاثة عقود متتالية. أما بالنسبة لإندونيسيا، فهناك الرئيس المؤسِّس سوكارنو، الذي يعد شخصية مهمة أيضاً، وإنْ كان خلفه سوهارتو قد حكم البلاد لمدة أطول وربما يلقي بظلال أكبر على البلاد اليوم. ومن باكستان، اختيار جوها الزعيم السياسي ذو الفقار علي بوتو، مؤسس «حزب الشعب الباكستاني»، مفضلا إياه على مؤسِّس البلاد محمد علي جناح. بيد أن سرد قصة آسيا لا يخلو من قيود وإكراهات. فاليابان، على سبيل المثال، لم تنتج زعيماً يمكن تذكّره اليوم، واسمها لا يرد في الكتاب إلا في سياق الحديث عن بلدان آسيوية أخرى. لكن بلاد الشمس المشرقة، ومثلما يلفت إلى ذلك جوها نفسه، مهمة جداً بالنسبة لقصة آسيا باعتبارها أول دولة صناعية فيها وأول بلد آسيوي ينتصر عسكرياً على قوة أوروبية. ولعل الغائب الأكبر في الكتاب هي كوريا، حيث يقلل جوها من أهمية «بارك تشانغ هي»، الذي بدأ المعجزة الاقتصادية لكوريا الجنوبية، باعتباره «دكتاتوراً محدثاً». ورغم عظمة الزعماء الذين يتناول الكتاب حياتهم وأهمية إسهاماتهم في صناعة «آسيا المعاصرة»، إلا أنه لابد من التأكيد على أن معظمهم، وعلى غرار السياسيين في أي مكان، أمضوا حياتهم السياسية في الانشغال بالتهديدات والأخطار التي كانت تحدق بسلطتهم ومحاولة التصدي لهجمات خصومهم السياسيين الذين طواهم النسيان الآن. كما أن الكثير منهم واجهوا مشاكل في مأسسة الثورات التي قادوها؛ لذلك، فإن وفاتهم أو سقوطهم السياسي كان يؤدي في أحيان كثيرة إلى زعزعة الاستقرار ببلدانهم. محمد وقيف الكتاب: صناع آسيا المعاصرة المؤلفون: جماعة الناشر: هارفرد يونفيرستي برِس تاريخ النشر: 2014