تمتلك إيران موارد مالية وطبيعية وبشرية قلما تتوافر مجتمعة في بلد منفرد يمكن من خلال تسخيرها بصورة صحيحة لوضع ايران في مقدمة بلدان العالم من ناحية التنمية الاقتصادية ومعدلات النمو، إلا أن الأمور لا تسير في هذا الاتجاه للأسف، بل إنها تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. لقد خسرت إيران أكثر من ثلاثة عقود من التنمية، وتجاوزتها دول كثيرة، وتبعثرت مئات المليارات من الدولارات التي قدمت لبلدان فاشلة، كسوريا أو لمنظمات متطرفة، كـ«حزب الله» واستفاد منها الكثير من الانتهازيين وأصحاب المصالح على حساب الشعب الإيراني وتنميته ورفع مستواه المعيشي، وذلك من أجل أوهام طائفية، وبالأخص في فترة ولايتي أحمدي نجاد، والذي ينتقده بشدة الآن الرئيس روحاني الذي اتى إلى السلطة ليجد خزينة الدولة فارغة على حد قوله. لو أن هناك حكماء قاموا بجرد حساب للتوجهات الإيرانية خلال العقود الماضية لهالهم حجم الخسائر الفادحة التي تسبب فيها «المحافظون» المتطرفون، والذين انتقدهم روحاني بعد أن طفح به الكيل مؤخراً واصفاً إياهم «بالجبناء، وداعيهم إلى الذهاب إلى الجحيم» مضيفاً يقولون، أي «المحافظين» إننا نرتعش من سياسة الرئيس، ويرد عليهم روحاني قائلاً حسناً اذهبوا إلى الجحيم، والتمسوا مكاناً دافئاً لتدفئوا أنفسكم». يعكس ذلك حجم الكارثة الاقتصادية التي حلت بإيران، فنسبة النمو السلبي بلغت 6.8% عام 2013، ويتوقع استمرارها العام الجاري والعام القادم لتصل إلى 2.5% في عام 2015 إذا نجحت المفاوضات مع الدول الكبرى حول برنامج إيران النووي، أما اذا فشلت هذه المفاوضات، فان انهياراً اقتصادياً عاماً ستشهده إيران بسبب العقوبات المفروضة عليها. وفي الوقت نفسه، انخفض الانتاج بنسبة 10% ومستوى الدخل بنسبة 20%، في حين وصل مستوى التضخم لنفس الفترة إلى 45%، حيث تعهد الرئيس روحاني بتخفيضه إلى 20% هذا العام، كما بلغت الديون الحكومية 80 مليار دولار. وفي غضون السنوات الثماني الماضية كانت نسبة خلق الوظائف صفر تقريباً، وهي الفترة التي أدار فيها الرئيس السابق نجاد وإدارته «المحافظة» البلاد، وتركزت جهوده نحو حماية الأنظمة الفاشلة ودعم المعارضة في العديد من البلدان العربية. كشف الحساب الذي تقوم به إدارة الرئيس روحاني الآن يثير الرعب في أوساط «المحافظين» بقدر ما يثير الرعب في أوساط الشعب بسبب الهدر الكبير لموارد الدولة لتحقيق أجندات سياسية بعيدة عن الواقع، حيث يشير روحاني في هذا الصدد إلى «أنه يجب تغيير صورة إيران التي شوهت في السنوات الأخيرة»، أي في عهد نجاد. وينوي الرئيس الحالي تحسين علاقاته مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الغرب والولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي أساء إليها سلفه بصورة كبيرة، وهذه مهمة ليست سهلة، إلا أنها ليست مستحيلة، ويمكن أن تساهم في خروج إيران من عزلتها، وأن تسير على طريق النمو من جديد. وفي هذا الصدد لا بد أولاً من تحديث الاقتصاد الايراني وبنيته التحتية المتآكلة، بما فيها وسائل المواصلات بكافة أنواعها وتطوير القطاع المصرفي والمالي ودمجه من جديد في النظام الدولي، وإدخال التقنيات الحديثة على الصناعة والزراعة. أما في مجال العلاقات الاقتصادية الدولية، فإنه لا بد أيضاً من ترميم العلاقات مع الدول الفاعلة في العالم وبالبلدان المحيطة، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تمثل أهمية كبيرة للاقتصاد الإيراني، سواء من ناحية الواردات والصادرات أو إعادة التصدير مع احترام سيادة دول المجلس وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. بهذا فقط يمكن للسياسة الجديدة للرئيس روحاني أن تؤتي ثمارها وتنعكس إيجابياً على الحياة المعيشية للشعب الإيراني وتوفر فرص العمل، فالسياسة السابقة لم تستطع حماية أنظمة فاشلة، كنظام الأسد والمالكي السابق في العراق أو أحزاب إرهابية، كــ«حزب الله» وفي الوقت نفسه لم تؤد إلى تنمية الاقتصاد الإيراني، مما شكل خسائر مضاعفة لإيران.