يقدر العدد الحالي لمستخدمي الكمبيوتر حول العالم، بحوالي ثلاثة مليارات شخص، أو ما يقارب من 40 بالمئة من سكان الكوكب، البالغ عددهم سبعة مليارات نسمة. وتتباين نسبة المستخدمين هذه، بين دول ومناطق العالم المختلفة، حيث تصل مثلاً هذه النسبة إلى 85 بالمئة من السكان في دول أميركا الشمالية، أو أكثر من 300 مليون مستخدم، لتنخفض إلى 45 بالمئة من السكان في دول الشرق الأوسط، أو حوالي 100 مليون مستخدم، ولتصل إلى أدنى حد أو 21 بالمئة فقط بين سكان الدول الأفريقية. ولكن رغم تباين معدلات ونسب الاستخدام، تبقى الزيادة المضطردة في عدد المستخدمين، حقيقة ثابتة بين جميع دول ومناطق العالم, حيث يقدر أنه منذ بداية القرن الحالي، زاد عدد مستخدمي الكمبيوتر بحوالي سبعة أضعاف، مع التوقع باستمرار وتصاعد هذه الزيادة خلال السنوات والعقود القادمة. وبخلاف الزيادة في عدد المستخدمين، زادت أيضاً عدد الساعات التي يقضيها المستخدم الفرد خلال اليوم الواحد أمام شاشة الكمبيوتر، أو غيرها من وسائل وتقنيات الاتصال بشبكة الإنترنت. ورغم ما قد يكون لذلك من جوانب إيجابية كثيرة، مثل زيادة إنتاجية الفرد في بعض المهن والوظائف، وسهولة الحصول على المعلومات، ويسر التواصل بين الدول والأماكن القصية، إلا أن هذه الزيادة في عدد المستخدمين، وفي ساعات الاستخدام الشخصي، حملت أيضاً معها جوانب سلبية كثيرة، على الصعيد الاجتماعي، والصحي، بجانبيه البدني والنفسي. وهذه التأثيرات الصحية السلبية، وخصوصاً البدنية منها، يطلق عليها حالياً اسم (الاعتلالات الصحية الناتجة عن استخدام الكمبيوتر)، والذي هو عبارة عن ملاءة مصطلحية، تشمل العديد من المشاكل والاضطرابات الصحية، وخصوصاً في الرسغ أو المعصم، والعينين، والهيكل العظمي والعضلات. فبالنسبة للرسغ، فيتسبب وضع اليدين الخاطئ، أثناء استخدام لوحة المفاتيح لفترات طويلة، إلى إصابة الأربطة والأعصاب بما يعرف بإصابة الطباعة (Typing Injury)، وهي الحالة التي تنتج عن تكرار نفس الفعل الحركي لمرات ومرات عديدة، وفي وضع لا يتفق مع التركيب التشريحي للجسم البشري. وأحياناً ما تتطور تلك الحالة إلى ما يعرف بمنظومة أو متلازمة نفق الرسغ (carpal tunnel syndrome)، والتي تؤدي إلى ضعف بالرسغين وإحساس دائم بالألم المترافق بالشعور بالوخز المستمر، وهو ما قد يعيق المصاب عن تأدية وظيفته وبقية النشاطات المعتمدة على حركة الرسغين. أما على صعيد العينين، فقد يؤدي الإفراط في استخدام الكمبيوتر إلى الإصابة بقصر النظر الشديد، وعدم وضوح الرؤية، والإرهاق العام في العينين، وربما الإصابة أيضاً بالجلوكوما أو المياه الزرقاء، وهي عبارة عن ارتفاع لمستوى الضغط داخل العين. هذه المشاكل كانت تنتشر بشكل أكبر مع الشاشات القديمة التقليدية، لعدة أسباب فنية في تقنيات تلك الشاشات، إلا أن هذا لا يعني أن الشاشات الحديثة لا تتسبب فيها أيضاً، وإنْ كان بمعدلات أقل، ولذا يوصى بترك مسافة 60 سنتيمتراً على الأقل بين المستخدم وبين شاشة الكمبيوتر، كما يوصى بمنح فترة راحة للعينين، بتوجيه النظر عبر الغرفة أو عبر النافذة، كي تسترخي عضلات العين، ولو لثوان أو دقائق معدودة. وعلى صعيد الهيكل العظمي والعضلات، فيتسبب استخدام الكمبيوتر، وخصوصاً لساعات طويلة، في الإصابة بآلام في الرقبة والكتفين، ليس بسبب استخدام الكمبيوتر في حد ذاته، وإنما نتيجة الوضع الخاطئ الذي قد يجلس فيه البعض لعدة ساعات. ويمكن أيضاً للجلوس في وضعية غير سليمة، أن يتسبب في زيادة حدة الشعور بالآلام في الرقبة، والكتفين، والظهر، الناتجة أساساً عن أسباب أخرى. ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الجلوس أمام شاشات الكمبيوتر لساعات طويلة كل يوم، سواء كان في وضع سليم أو خاطئ، يخفض من مقدار النشاط البدني الذي يبذله الشخص، مما يؤدي إلى زيادة الوزن، والسمنة، والتي تتسبب بدورها في طائفة متنوعة من الأمراض والعلل، ربما كان أكثرها انتشارا هو داء السكري من النوع الثاني. وبخلاف الآثار البدنية السلبية لاستخدام الكمبيوتر، يؤدي الإفراط أيضاً في الاستخدام لتبعات ومشاكل نفسية واجتماعية، حيث أظهرت مثلاً دراسة صدرت قبل عدة أعوام عن جامعة "ليدز" ببريطانيا، أنه في الوقت الذي لا تزيد فيه نسبة مدمني الإنترنت على 1.2 في المئة من مجمل المستخدمين، تطرأ على الحالة النفسية للكثيرين من مستخدمي الإنترنت، سمات ترتبط بحالة الاكتئاب، وبمعدلات أكبر مقارنة بالأشخاص الذين لا يعتمدون على الكمبيوتر في تأدية وظائفهم، أو على الإنترنت كوسيلة للترفيه اليومي. وعلى الجانب الاجتماعي، وكنتيجة للطبيعة الفردية لاستخدام الإنترنت، نجد أن الإفراط في استخدامها، يعزل الشخص عن التواصل الإنساني، وعن الاتصال الاجتماعي، مما يؤثر سلباً على نفسيته. فمن المعروف أن الإنسان كائن اجتماعي، يحتاج إلى التفاعل مع الآخرين للحفاظ على صحته النفسية، وعلى اتزانه العقلي، مما يجعل الحبس الانفرادي مثلاً أحد أشد أساليب العقاب، هذا بالإضافة إلى أن استخدام الإنترنت نشاط أحادي البعد، ذو وتيرة واحدة، يؤدي بصاحبه إلى الشعور بالملل، ويخفض من طاقته النفسية، ومن رغبته في التفاعل والتواصل مع الآخرين.