يحاذر الكثير من المسؤولين الأوروبيين من نتائج عودة مواطنيهم من (الإسلاميين المتطرفين) إلى بلدانهم من سوريا، بعد أن تعرضوا لمواقف العنف والقتل والإرهاب، وقاموا بتصنيع العبوات الناسفة وتنفيذ عمليات قتالية، ما أكسبهم «خبرات» للقيام بأعمال مماثلة في بلدانهم. ويستشهدون بما قام به فرنسي (من أصل مغربي) – يعتبرونه نموذجاً للإسلاميين الأوروبيين الذين عاد بعضهم من سوريا والعراق – حيث اتهم بالاعتداء على متحف يهودي في مدينة بروكسل في 24/5/2014، وأدى الاعتداء إلى مقتل 4 أشخاص كانوا يزورون المتحف. وتعرف سلطات الأمن في المطارات الأوروبية مسارات محددة يسلكها القادمون من جبهات القتال في كل من العراق وسوريا من الإسلاميين الأوروبيين المتطرفين، حيث يختارون رحلات « تمويهية» عبر مطارات آسيوية أو عبر إسطنبول، محاذرين الطيران مباشرة إلى بلدانهم. يأتي ذلك التمويه الاحترازي من قبل الإسلاميين المتطرفين، بعد اتفاق وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي على التنسيق وتبادل المعلومات عن المسافرين المشكوك في أمرهم، وتسهيل القبض عليهم. ولقد تم القبض على مسافر عائد – عبر إسطنبول – إلى برلين، حيث وقع بيد الشرطة الألمانية – وهو فرنسي – وكان قد نشر له صورة عبر الإنترنت وهو يحمل رشاشاً من نوع كلاشينكوف، وأُصيب بجراح في معارك في سوريا. بصراحة يُحار المرء في نوعية «البضاعة» التي تصدرها بعض الدول العربية (المنكوبة) إلى العالم المتحضر، ويقارن بين ما تصدره هذه الدول المتطورة من أساليب حفظ الحياة وتطويرها، وراحة الإنسان، ومقاومة الأمراض، ورخاء الناس، من مخترعات طبية وأغذية وأزياء وكماليات، ونظريات علمية، وبين ما تصدره عواصم الموت من أفكار وشخصيات تحمل ثقافة الاعتداء والتدمير والكراهية ضد الآخر. وللأسف، فإن هؤلاء المسلمين الذين يعيشون في الدول الأوروبية مُعززين مكرمين، حقوقهم مصانة، ومستقبلهم مأمون، ولا أحد يستطيع الاعتداء عليهم حتى بلفظ مشين، وتوفر لهم الحكومات الأوروبية الزاد والمأوى والعلاج المجاني إضافة إلى كل الحقوق المدنية، ويقابل بعضهم كل ذلك، بأعمال تتنافى وروح الإسلام، بل ومعاني الوفاء لكل ما يُقدم لهم. نحن ندرك أن الدول الأوروبية ومؤسساتها الحقوقية تأوي الملايين من المسلمين والعرب الذي ضاقت بهم دولهم، التي لم يستطيعوا أن يرفعوا رؤوسهم فيها مطالبين بأبسط حقوقهم، وهو حق المواطنة والعمل الشريف، وإلا أصابتهم يد البوليس الغاضبة وأُرسلوا وراء الشمس. وإلا فما معنى ضحايا قوارب الموت عند الشواطئ الأوروبية من المهاجرين العرب والمسلمين إلى أوروبا. وعندما احتضنتهم الدول المتحضرة، ووفرت لهم البيوت الآمنة، ولأطفالهم الحليب و(البامبرز) ولزوجاتهم الأدوية وحق العمل، وحفظت حقوقهم المدنية، يقابلون كل ذلك الإحسان بغير الإحسان، متناسين (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، بل ويقومون باستثمار الإعانات التي يحصلون عليها من تلك الدول ومؤسساتها الإنسانية لينفقوا على الرصاص والرشاشات، ويساهموا في قتل الآخرين وترويعهم، بغض النظر عن أي فريق ينتسبون إليه! إن العرب والمسلمين المتطرفين في أوروبا ممن ذهبوا إلى القتال في العراق وسوريا، يقدمون صوراً بائسة وغير مشرفة عن بقية العرب والمسلمين، حيث يتركون (صناعة الحياة)، بكل نعمائها ومباهجها ومنافعها، ليتحولوا إلى (صناعة الموت) بكل مآسيها وسلبياتها وجورها على الآخر. ويهجرون المصانع التي توفر لهم ولعائلاتهم لقمة العيش الشريفة، إلى المشاركة في قتل إخوانهم المسلمين الذين حرّم الدين قتالهم، وبذلك يخالفون أبسط قواعد الدين، ويتناسون آيات القرآن الكريم، في الوقت ذاته، فإنهم يحرجون أبناءهم وزوجاتهم – الذين أصبحوا مواطنين أوروبيين ويتعايشون بسلام مع المجتمع الأوروبي- حيث إن الشارع الأوروبي الذي يؤمن بالحياة والإنتاجية والمساواة وقواعد العيش العصرية – لا يمكن أن يتسامح مع هؤلاء الذين يقابلون معروف تلك الدول الأوروبية بهذه الطريقة المهينة! ولكم هاجر من هؤلاء الذين تمتعوا بأجواء أوسلو وبروكسل وكوبنهاجن ولندن، وحصلوا على الجنسية في تلك البلدان. فلماذا يحاول بعض المتطرفين تشويه تلك الصورة، وخلق واقع افتراضي جديد للمسلمين العائدين إلى بلدانهم في أوروبا؟ حيث يظلون تحت المراقبة، ويزعجون بذلك أبناءهم في المدارس والجامعات، ويزعجون أنفسهم بالمساءلات والتحقيقات، بعد أن ذهبوا إلى حرب (لا ناقة لهم فيها ولاجمل)، واستبدلوا الصحراء والبارود والقنابل، بالحدائق الجميلة والأنهار العذبة، والحرية التي ما كانوا يحلمون بها في بلدانهم الأصلية (العربية أو الإسلامية). فهل يعقل البقية الباقية من الذين يؤثرون الموت على الحياة، ويتعلقون بأوهام «ما روائية » لا يكسبون منها شيئاً؟ فليسألوا هؤلاء الذين وفرت لهم الجنسية الأوروبية مجالات عمل – في أوروبا أو في دول الخليج العربي - لا يمكن أن يحلموا بها في بلدانهم الأصلية المسكونة بالخوف والتخلف وفقدان الأمن والحكم البوليسي.