لم تزل دولة الإمارات العربية المتحدة علامة فارقة في مجال العمل الخليجي والعربي والدولي المشترك، وإذا كنا سنركز في هذه المقالة على العمل الخليجي المشترك، فلا يمكننا تجاوز الدور الذي أسسه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله حول حل الأزمات واستخدام سبل الحوار ودوره في حرب الخليج الأولى والثانية والثالثة من أجل فض الاشتباك وإيقاف التأزيم. بل يذكر الشيخ محمد بن زايد هذا القوي الأمين في وثائقي يحكي عن حياة الراحل أنه حاول ثني صدام حسين عن رأيه وحاول إقناعه بتفادي الحرب الأميركية عام 2003. ونعلم أن صدام كان يعرف جيداً حكمة الشيخ زايد، بل كان يستعين برأيه في تنمية العراق آنذاك وكان يدعوه لزيارة العراق وإلقاء نظرة على جديد المشاريع والخطط، لكن صدام تعنَّت واختار الطغيان على التنمية، ومرق وخرج على مدرسة زايد الحافلة بالتنمية والمحبة والسلام والحوار مع المخالفين. لكن هناك من دأب على مناكفة الإمارات منذ بعض الوقت، غير أن العقول الحكيمة غلّبت منطق الحوار وصبرت على إساءات عديدة، وحين اتخذت قرارات سيادية لم توقف الحوار، وبقيت الإمارات متخذةً النهج الحواري، ومحاوِلةً رأب الصدع ومؤمنةً بضرورة حل حواري سياسي يحفظ للإمارات أمنها الوطني وسيادتها السياسية وكرامة شعبها، وهو النهج الذي تأسس في عهد الشيخ زايد ومن بعده الشيخ خليفة ومعه ولي عهده وعضده الشيخ محمد بن زايد. الإمارات ليست دولة توتيرٍ وتأزيم، بل دولة وفاق وسلام ومحبة مهما حاول البعض تصوير المشاهد وتوتير الأجواء وتحوير الخلافات والمشكلات. وزير خارجية الكويت صباح خالد قال إن الإمارات بذلت جهداً قوياً موفقاً من أجل تقريب البيت الخليجي وإعادة ترتيبه. هذه هي المحاولات التي يقوم بها الكبار والنبلاء في جميع الأمم والمجتمعات؛ التعالي عن الصغائر والانشغال بالكليات الكبرى ومصالح المجتمعات ورفاه الشعوب. لن يكون الحل الخليجي سهلا كما يتخيل البعض ولن يكون صعباً كما يؤزم البعض. إن دولا مهمة وحيوية مثل السعودية والإمارات والبحرين لا يمكن أن تتنازل قيد أنملة عن سيادتها وأمنها القومي، وبنفس الوقت ستحاول استنفاد كل طاقات الحوار الممكنة وإمكانيات الحل وإغلاق باب المشكلات قدر الإمكان. في الخليج، ومنذ أن تأسست الدول، هناك خلافات حدودية وأخرى على ملفات سياسية، لكنها جميعاً ظلت تحت السيطرة بفضل النية الطيبة ولوجود «العهد اللفظي» الذي لا ينقضه أحد من الأطراف؛ فكلمات الكبار وتعهداتهم دَين في أعناقهم لا يخالفونها. الحوار مهم، والحفاظ على السيادة مهم أيضاً، بل ضرورة وشرط لإنجاح أي تقارب، والإمارات دولة محبة وسلام، وأرض يقيم عليها واحد من أضخم نماذج التعددية الدينية والثقافية في العالم، وهي دولة جاذبة لا طاردة. إنها بلد جميل يؤوي المحب، ويصح فيه قول المتنبي: هو البحر، غص فيه إذا كان ساكناً على الدرّ واحذره إذا كان مزبدا