كثيرة هي الخلافات الداخلية في إسرائيل اليوم، كما كان الحال منذ إنشائها عام 1948. وهذه خلافات معتادة في نظام سياسي ومجتمع أُقيما على أساس تعددي يتيح استثمار مزايا التنوع. غير أن العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في 8 يوليو الماضي على قطاع غزة كشف نمطاً جديداً من الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري، وخاصة حول جدوى شن عملية برية واسعة وما يتعلق بها من مسائل تكتيكية واستراتيجية. كما انعكس هذا الخلاف على المفاوضات التي رعتها مصر وتسبب في وقفها أكثر من مرة، قبل الوصول إلى اتفاق قبله متخذو القرار السياسي في إسرائيل على مضض الأسبوع الماضي. ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تختلف فيها تقديرات قادة سياسيين وآخرين عسكريين في إسرائيل، فالجديد هذه المرة هو وجود رؤيتين مختلفتين من حيث منطق كل منهما، وليس مجرد اختلاف في تقدير موقف أو آخر. فقد تابعنا خلافات من هذا النوع في بعض الحروب السابقة. وكان أبرزها، وأكثرها وضوحاً، الخلاف بين بعض القادة العسكريين ورئيس الوزراء الأسبق مناحم بيجن بشأن حدود الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. غير أنه في تلك الحالة، التي توجد شهادات تفصيلية بشأنها، كان هناك خلاف في أوساط السياسيين وداخل الحكومة، كما بين العسكريين. وجديد أيضاً في الخلاف الراهن هو أنه طغى على ما عداه من خلافات، ربما لأن المد اليميني الشديد الذي يجتاح إسرائيل منذ سنوات جعل الصوت السياسي الأكثر تطرفاً هو السائد. لذلك كان الخلاف بين السياسيين والعسكريين هو الأكثر تأثيراً على مسار الحرب مقارنة بأية خلافات بين أحزاب واتجاهات مختلفة سواء داخل الائتلاف الحكومي أو خارجه. وجديد كذلك أن يكون الخلاف بين السياسيين والعسكريين من القوة إلى الحد الذي يصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في عملية صنع القرار الإسرائيلي بشأن المفاوضات والحل السياسي. ورغم أن هذا النمط من الخلافات (بين السياسيين والعسكريين) يكون بطابعه أقل وضوحاً من الخلافات بين الأحزاب والاتجاهات السياسية، وخاصة في ظروف الحرب، فقد كانت هناك مؤشرات دالة عليه منذ البداية. ومن أهم هذه المؤشرات التردد في شن عملية برية. فكان المستوى السياسي يريد الدفع بالقوات البرية مبكراً، فيما كان المستوى العسكري يسعى لتجنّب ذلك بقدر الإمكان. وهذا يفسر تأخر العملية البرية إلى اليوم العاشر في الحرب (مساء 17 يوليو)، فلم يُتخذ القرار بشأنها بعد ظهر ذلك اليوم إلا عندما تبين أن الضربات الجوية لم تحقق نتائج تُذكر، وأن الاستمرار فيها وحدها سيُظهر فشلا استراتيجياً إسرائيلياً. ويبدو أن هذا الوضع كان ضاغطاً على القيادة العسكرية الإسرائيلية التي اضطرت لشن العملية البرية، على أساس أن تكون محدودة جغرافياً بحيث لا يزيد توغل القوات على ما بين كيلومترين وثلاثة في عمق القطاع. ومما يدل على أن قرار شن الحرب أصلا في 8 يوليو لم يشمل العملية البرية، بل استبعدها، أن الأهداف الأولى المعلنة لم تتضمن تدمير الأنفاق المحفورة بين قطاع غزة وإسرائيل. غير أنه عندما تبين أن العملية الجوية لا تحقق أياً من الأهداف المعلنة، وأهمها إضعاف حركتي «حماس» و«الجهاد»، وتدمير بنيتهما التحتية، وشل قدرتهما الصاروخية، أُضيف الهدف المتعلق بتدمير الأنفاق باعتباره أكثر قابلية للتحقق. ويبدو أن القيادة العسكرية ربطت العملية البرية بهذا الهدف المحدد لكي تخفض سقفها وتضع حداً للضغوط التي مارسها معظم أعضاء الحكومة الأمنية المصغرة لتوسيع العملية وصولا إلى إعادة احتلال قطاع غزة إذا اقتضى الأمر. وثمة شواهد تفيد بأن نتنياهو انحاز في ذلك الوقت إلى خيار العملية البرية المحدودة، وأصبح موقفه أقرب إلى المستوى العسكري بعد أن أقنعته قيادة الجيش بأن توسيع هذه العملية ينطوي على مغامرة كبيرة قد تكلفه في النهاية منصبه. ومع ذلك، ظلت المسافة بين المستوى السياسي بما فيه نتنياهو والمستوى العسكري كبيرة كما يتضح من شواهد عدة لعل أبرزها التضارب بين تصريحات رئيس الوزراء وموقف رئيس الأركان العامة بيني جانتس بشأن انتهاء الحرب من عدمه. فكان جانتس قد أعلن أن العملية البرية ستنتهي فور إتمام تدمير الأنفاق. ويبدو أنه أراد قطع الطريق على أي قرار سياسي لتمديد العملية البرية. وعندما اقتربت مهمة تدمير الأنفاق من نهايتها في مستهل أغسطس الماضي، بالتزامن مع التقدم باتجاه هدنة الأيام الثلاثة الإنسانية الأولى (من صباح 5 إلى صباح 8 أغسطس)، أعلن جانتس بدء تسريح قوات الاحتياط، والسماح بعودة سكان مستوطنات جنوب إسرائيل إلى حياتهم الطبيعية. وبدا هذا التوجه متعارضاً مع حديث نتنياهو عن أن العملية العسكرية لن تنتهي إلا بتحقيق أهدافها سواء في الميدان أو من خلال المفاوضات. ويبقى مؤشر آخر لا يقل أهمية على المسافة الواسعة بين السياسيين والعسكريين في إسرائيل، وهو التعامل مع المفاوضات غير المباشرة التي أدارتها مصر، فقد بدا المسؤولون العسكريون والأمنيون الإسرائيليون أكثر مرونة من السياسيين الذين رفض بعضهم التفاوض أصلا، مثل وزير الاقتصاد نفتالي بينيتي زعيم حزب «البيت اليهودي» المتطرف الذي وصف المفاوضات بأنها «متاجرة خطيرة مع الإرهاب». ولم يكن باقي الوزراء، وخاصة وزير الخارجية أفيجدور ليبرمان ووزير الداخلية جدعون سار، أقل تطرفاً في هذا المجال، الأمر الذي أدى إلى إحباط مفاوضات القاهرة التي كانت القيادة العسكرية تُعول عليها لإنهاء الحرب ومعالجة الاختلالات الشديدة في أداء القوات البرية. فكان إدراك العسكريين هذه الاختلالات هو العامل الرئيسي وراء خلافاتهم مع السياسيين المسيطرين على أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ إسرائيل حتى الآن. ويفيد تحليل أداء القوات البرية الإسرائيلية، والتراجع المستمر فيه منذ حرب لبنان الثانية 2006 وحتى حرب غزة الثالثة، أن هذا التراجع لا يقتصر على التخطيط والتدريب، بل يشمل أيضاً التسليح. فقد استخدمت هذه القوات دبابات ومدرعات بعضها قديم والآخر لا يناسب هذا النوع من الحروب. ولم يكشف النقاب عن ذلك إلا عندما تعطلت إحدى الدبابات خلال توغلها في شرق غزة، مما أتاح لوحدة من المقاومة قتل كل من فيها. ويعني ذلك أن ثمة مشكلة هيكلية في هذه القوات ترتبط غالباً بالتحول الذي حدث في العقيدة العسكرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة نحو رفع الحظر النووي الإيراني إلى مرتبة التهديد الأول. وقد ترتب على ذلك إعطاء أولوية قصوى للقوات الجوية وقوات الدفاع الجوي، وإنفاق معظم الموازنات العسكرية على الطائرات الأكثر تقدماً ومنظومات الدفاع الصاروخي وعلى رأسها منظومة «القبة الحديدية» على حساب المدرعات. لذلك ربما تكون مراجعة الاتجاه الذي ساد الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة إحدى أهم نتائج هذه الحرب.