تتعاظم مخاطر المتشددين في العمق، كما في السطح، وتتحول تهديداتهم الإجرامية الجدية إلى لهيب ينتقل من مكان إلى آخر، محدثاً ما أصبح تهديداً فعلياً في أوساط كل أتباع الأديان والعقائد والأيديولوجيات الراهنة، دون استثناء. ويبرز الإسلام في المقدمة من ذلك، نظراً لبروز مجموعة أو مجموعات إسلامية تعلن الحرب الشاملة على المسلمين «المنحرفين» وغير المسلمين، كما نسمع عن المسيحيين والإيزيديين وغيرهم. والحق أن تيار التشدد ذاك لم يقتصر على المسلمين، بل ظهر في التيارات الدينية المتعددة الأخرى وأحدث ظاهرة راحت تبدو كأنها من طبيعة تلك التيارات أو من طبيعة الفكر الديني والنزعات الأيديولوجية الدينية المتطرفة بشكل عام. والأمر يتسع ليشمل تيارات وظاهرات ونزعات تنحدر من المنظومة الذهنية في مختلف الميادين، وهذا أمر طبيعي، فالجميع قد يخطئ ويرتكب تجاوزات في النظر إلى الأشياء، ولما كان الخطأ والتجاوز والانحراف والتشدد من طبيعة الأشياء، خصوصاً في بعض المجتمعات العربية المحكومة بنظم حكم استبدادية قاسية، فقد كان ضئيلاً أن تواجه في المجتمعات المذكورة حالات متنورة منفتحة وقابلة للحوار والنقد. يقول ماركس إن انحطاط العالم الإنساني يتناسب طرداً مع ازدياد قيمة عالم الأشياء، ونلاحظ أن بعض الشعوب العربية اعتقدت أنها ستملك «اللبن والعسل» حين تلتقي بشعوب الحضارة الجديدة، الغربيين، واكتشفت أن ذلك اللقاء تمّ حقاً بين الفريقين، ولكن عبر السلاح، يداً بيد مع استخدام شامل لاستراتيجية التخليف والظلامية. ها هنا نواجه حالة تاريخية هي من قبيل المفارقة: الغرب تحول إلى الظلامية، وعمل على تكريسها عربياً وعلى النحو الاستراتيجي البراغماتي، أي الذي ليس له وجه واحد وإنما القابل لكل الأوجه، بما فيها أوجه الظلامية الإجرامية الراهنة «داعش». إن الغرب الراهن جدير بأن يُدرس كنموذج حيّ وفعال وغبي لتدمير العرب بأيدي العرب. فلقد ضرب الجميع بالجميع، وبقيت أوهام انتصار الغرب على للعرب، وهو بهذا لم يحقق النصر، وظل يراهن على تجاوز الهزيمة التاريخية، التي راحت تزمن وتتعفن وتُطيح بما تبقى من آمال. هكذا وُجد «داعش» وصُنع أميركياً بمادة عربية تشترك في تصنيفها معنا ومن ضدنا، ويراد لـ«داعش» أن يظهر كما لو أنه آخر الفصول، ولكن أول الفصول لم ينته. إن الغرب الذي راهن دائماً على إذلال العرب وتدمير أمنياتهم الشرعية التاريخية، هو غير الوجه الآخر من الغرب، وجه النهوض والتنوير والتقدم المتضامن مع العالم العربي تضامناً لا يذهب مع الريح، بل كان يمكن أن تتأسس على أيديه التاريخية إمكانات ليست هينة على طريق التحرر العربي. والعلة كلها تتأسس على الغرب من النمط الوحشي الجهنمي، الذي كان دأبه أبداً أن يبتلع الآخر العربي والشرقي عموماً. أما الإضاءات التي نشأت هنا وهناك في الغرب فقد أطيح بها، مع إحكام هيمنة هذا الغرب، خصوصاً بعد أن استفرد بالعالم مع دخوله عصر العولمة الرأسمالية، بديلاً عن العالم كله. ولنتفحص بعض الإضاءات التاريخية العربية (الإسلامية) ولنلاحق حالاتها الآن. قال ولي عهد المملكة المتحدة الأمير تشارلز فيليب، في محاضرة له، واضعاً يده على المرحلة الغربية الانتقالية من عصر ما قبل الرأسمالية الغربية الإمبريالية ثم العولمية: «إننا في الغرب ننظر في تاريخنا إلى الإسلام فنراه مصدراً للتهديد. إن رؤيتنا للإسلام ناقصة.. وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تنزلق أفكارنا بالاعتقاد بأن التطرف ليس وقفاً على الإسلام فحسب، بل هو موجود في صلب الأديان الأخرى، ومنها الدين المسيحي، ولكن بما أننا رأينا في الإسلام منافساً للغرب كآخر بنظام ثقافته ومجتمعه، فقد تجاهلنا تأثيره الكبير في تاريخنا. إن الإسلام جزء من ماضينا ومن حاضرنا.. لقد ساعد الإسلام على تكوين أوروبا المعاصرة، فهو جزء من تراثنا، وليس شيئاً مستقلاً بعيداً عنا». هكذا، تتضح الأمور، حينما يتم الالتزام بالتاريخ والحقيقة الموضوعية، إن الأمير وضع يده بدقة على مرحلة عظيمة من التاريخ البريطاني اقترنت بتاريخ الإسلام، وهذا ما ينبغي الانطلاق به في شراكة حضارية ثقافية ليس مع بريطانيا فحسب، وإنما كذلك مع الغرب عموماً، إنما ضمن رؤية عقلانية تنويرية، ولكن كذلك إنسانية تنويرية عالمية، تتجاوز ظلامياتنا!