لاشك أن أحد أخطر أسباب الدمار الفكري والسياسي والاجتماعي، الذي تشهده بعض بلداننا يكمن في انتشار الطائفية والتعصب الديني، الذي يفتك ببعض مجتمعاتنا، ويذريها في كل اتجاه. وسيكتب مؤرخو المستقبل عن هذه الحقبة السوداء أن الانجراف الحاد نحو التطرف الديني، الذي يأخذ وجوهاً لا حصر لها، هو المسؤول الأول عن الشلل الذي ضرب المجتمعات وقواها وطاقاتها. فقد تم اختطاف الدين وقيمه الإنسانية التسامحية، وأُعيد تفسيره كي يخدم الفكر الطائفي، والمذهبي، ليتم حشره في أضيق نظرة ممكنة، عوض الإبقاء على اتساع أمديته الأصلية زماناً ومكاناً. لقد اختُطف الدين وتم تحويله الى أداة لخدمة السياسة والأهداف الآنية والمصلحية إن بيد الدول والحكومات أو بيد المنظمات والجماعات التي تتناسل بشكل مدهش. ولن تتخلص المنطقة وبلداننا وشعوبنا ومجتمعاتنا من هذه الحقبة المظلمة ما لم تتم إعادة الدين إلى رحابه الروحية، وعدم خلطه بالسياسة، وكشف كل خاطفيه ومستخدميه. وحول هذه المعاني قرأت مؤخراً رسالة في غاية العمق والمرارة والتعبير الداخلي الدقيق عن الحالة المجتمعية التي تحولنا إليها بسبب تسييس الدين وتديين السياسة، موجهة إلى حسن نصرالله الأمين العام لـ«حزب الله»، وقد وجهها له الكاتب اللبناني رؤوف قبيسي. الرسالة طويلة جداً وتستحق أن تُنشر كاملة في الإعلام العربي وأن تُقرأ في كل مكان وتعمم، ليس لأنها موجهة إلى نصرالله فحسب، بل لأنها تفكك ادعاءات إسلاموية كثيرة حول الطائفية التي لا تعمل إلا على تفتيت النسيج الاجتماعي وتدمير البلدان. وأستسمح هنا في اقتباس بعض الفقرات المهمة من تلك الرسالة التي لا تحتاج إلى تعليق أو أي إيضاح. يقول قبيسي: «... أحسبكَ تعرف من اسمي أيها السيد، أنني أنتمي بالهوية المسجلة في الدوائر الحكومية اللبنانية، إلى الطائفة الشيعية في لبنان، ولا أحسب من عائلتي في لبنان من ينتمي إلى غير هذه الطائفة، ولكن أحب أن أقول في مستهل خطابي هذا إليك إنني لست شيعياً ولن أكون، ولست متديناً ولن أكون، وأعتبر هذه التصنيفات تقليداً يفسد الوصية، كما جاء على لسان المسيح في الأناجيل، وخروجاً على الإيمان الإسلامي، الذي يعلو على التمذهب، لا نور لي هنا ولا هداية، إلا الآية الكريمة.. التي تقول (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا). لا أريد أن أفهم حبل الله هذا إلا الإيمان برسالة تحضّ على عدم التفرقة بين الناس، لأن الناس ساعة ينقسمون لا يعودون مؤمنين، بل يصيرون متدينين متعصبين، وتبدأ بينهم الحروب، وفي الحروب يوارى الإيمان التراب، وتنبت الغرائز»! ويمضي الكاتب منتقداً الطائفية والتعصب المذهبي: «أنت أكثر من يدري يا سيد حسن، أن ما تشهده بلادنا من فتن وحروب هو من فعل العصبيات المذهبية التي لا علاقة لها بالإيمان.. أنت تعرف أن الخلافات بين السنّة والشيعة بدأت تحرق أخضر الأرض ويابسها، وتؤدي إلى قتل الأبرياء وتشريدهم من قراهم وبيوتهم، وإخالك تضع اللوم على "خلايا نائمة" و"قوى من الخارج" تعبث بالأرض والمقدسات! هذا أمر لا أشك فيه، هو من السياسة التي لا أفهم منها شيئاً، لكن ما أعرفه حق المعرفة، وإخالك تعرفه.. ويعرفه القاصي والداني، وكل من نظر في كتبنا وتاريخنا، أنه لو لم تكن في ثقافتنا فجوات، لما تمكنت "قوى الشر" من التسلل إلى ديارنا والعبث بمصائرنا. هناك إذن شيء فينا خطأ، موجود منذ القدم، ولا يزال. موجود من قبل أن تنشأ إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وقبل أن يسمع العرب بشيء اسمه الاستعمار! نعم.. هنا تكمن العلة وهنا يجب أن يبدأ الصراع أولاً، وليس على الحدود! أنت تعرف.. أن مصدر هذه العلة ليس القرآن الذي هو منارة الإيمان، بل مصدره من انقسام المسلمين شيعاً ومذاهب. ... كل طائفة في لبنان لها خصوصيتها المميزة، العزيزة على كل فرد من أبناء هذه الطائفة أو تلك. لا بأس في هذا التعدد، وإنما الخطر يكمن ساعة تتحول هذه الخصوصية إلى سياسة وسلاح، وتكون فيها غلبة طائفة على أخرى، فعندها تتحول إلى عصبية هدامة وتثير نعرات خصوصيات الآخرين وغرائز دهمائهم، وتدخل الوطن في خطر. وتظهر هذه الغلبة في خلط الدين بالسياسة، أو حين يكون نظام البلد طائفياً، كما هو الحال في لبنان. ومن هنا نفهم أن الدولة الطائفية غير إنسانية، عنصرية تصنّف مواطنيها على أسس دينية». وإذا سألتني -يقول الكاتب- عن «دولة الإيمان» فسأقول لك إنها ليست «ولاية الفقيه» حتماً، وليست «دولة العراق والشام» حتماً، وليست «دولة القاعدة» ولا «دولة الإخوان المسلمين» حتماً، ولا «طالبان» و«جبهة النصرة»، وكانتونات العلويين والدروز والموارنة. هذه كلها لون واحد، عقل واحد ونهج واحد، «خصوصيات» أحادية، لا مكان فيها لروح آخر، وعقل آخر، وفكر آخر. الدولة المدنية هي دولة التعددية الوحيدة، وهذه وجدت في الغرب بعد صراع مر مزمن بين الغريزة والعقل، بين الجهل والعلم! إنها الدولة التي تحفظ حقوق الناس، ويتساوى فيها المواطنون أمام القانون. ألم يقل الشيخ الإمام محمد عبده «ذهبت إلى الغرب فرأيت إسلاماً ولم أرَ مسلمين، ثم عدت إلى بلاد المسلمين فرأيت مسلمين ولم أرَ إسلاماً»؟! هذا الإسلام الذي وجده «رائد التحديث» في الغرب، لم يكن إلا في كنف الدولة المدنية. محمد عبده هو الذي قال: «الإسلام مجموعة من القواعد العامة يقتدي بها البشر في المجتمع والحكم، لكنه، أي الإسلام، لم يأت بقوانين تفصيلية، وعلى البشر أن يستعملوا عقولهم في وضع التفاصيل». والشيخ محمد عبده نفسه هو الذي قال أيضاً إن الإسلام محجوب ببعض المسلمين، ونادى بتعليم المرأة، وعارض البرقع والنقاب، وقال إنه لا نص في الشرع يوجبهما، وإنهما «عادتان ناتجتان من الاختلاط بأمم أخرى». وهو الذي وقف ضد التكفيريين والمتزمتين، وقال قولته الشهيرة «إنما هو دين أردت إصلاحه وأحاذر أن تقضي عليه العمائم»!