خرج كثير من المسلمين الصيف الجاري في مسيرات بشوارع لندن وباريس ومدن أخرى لإدانة قتل سكان قطاع غزة على أيدي الإسرائيليين. وبالطبع من المنطقي الاحتجاج على قصف المدارس والمباني السكنية. وقد شاركت في مسيرات ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عندما كنت طالبة، ومرة أخرى ضد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003. بيد أنه من غير المفهوم عدم وجود مظاهرات كبيرة مماثلة ضد الأعمال الوحشية التي يقترفها تنظيم «داعش» بحق المسيحيين والإيزيديين وحتى المسلمين في العراق وسوريا. وبالتأكيد لم تخرج أية مسيرات احتجاجاً على قطع رؤوس الأبرياء. وليس من الصعب تنظيم مسيرات، فأين هي؟ وليست هذه هي المرة الأولى التي يدور هذا السؤال بخلدي. فعلى مدار سنوات، كنت أتساءل عن غياب الغضب الشعبي، وعندما سألت عن قتل المدنيين العراقيين على أيدي العصابات السنية والشيعية، تهرّب زملائي المسلمين من أسئلتي، قائلين: «ولماذا اجتاحت الولايات المتحدة العراق في الأساس؟». وبالطبع كان الغزو الأميركي خطأ. ولكن لماذا يصعب التصدي لمقتل النساء والأطفال؟ لم يعطني أحداً إجابة مباشرة أبداً. وبالتأكيد، دان كثير من المسلمين تنظيم «داعش» صراحة، وشجب بعض علماء الدين هذه العصابة الإرهابية، معتبرين أنها تخالف الشريعة الإسلامية. لكن عباراتهم تبدو مجرد تكرار لتلك التي صرح بها غير المسلمين من أجل إنهاء العنف. ويمكننا يقيناً أن نفعل أفضل من ذلك. أوليست مسؤولية المسلمين أن يتحملوا مسؤولية التحدث بصوت مرتفع أكثر من غيرهم؟ ولابد أن يرى العالم متظاهرين مناهضين لـ«داعش» يخرجون إلى الشوارع بالحماسة نفسها التي شاهدناها في مظاهرات غزة بشوارع لندن وباريس. ولابد لنا كمسلمين أن نعبر عن رفضنا للتطرف بعبارات واضحة، بينما نفعل كل ما بوسعنا كي نحول بين الشباب وبين الإرهاب. والعبارة الشائعة: «هذا ليس هو الإسلام»، وبالطبع ليس هو. والمسلمون يعرفون ذلك، لكن لابد أن نفهم أن الآخرين لا يعرفون. وهنا تكمن المشكلة: بالنسبة لكثيرين في أرجاء العالم، تمثل التنظيمات المتطرفة مثل «داعش» و«بوكو حرام» النيجيرية وغيرها المجتمع الإسلامي. وعندما تقول كلمة «إسلام» اليوم يفكر قليلون في أمجاد تاريخنا وثقافتنا، ولا يطرأ إلى بالهم سوى رجال مقنعين مدججين بالسلاح. وطالما ظلت إدانتنا فاترة، نعطي انطباعاً بأننا نقبل جرائم القتلة التي تنتشر تسجيلاتهم المحترفة على موقع «يوتيوب» بصورة واسعة النطاق. وسواء أردنا أو لا، يكسب تنظيم «داعش» حرب العلاقات العامة. ومن المحزن، أن التيار السائد من المسلمين ليس لديه خيار سوى الإذعان لحقيقة أن جماعات من الناس يفخخون السيارات ويقتلون ويجوعون ويخطفون ويقطعون رؤوس أشخاص باسم الإسلام، ناهيك عن تفجير الكنائس والمساجد. فهل من المحتمل أن المسيرات الداعمة للفلسطينيين يحضرها أعداد كبيرة لأن المسلمين يكرهون إسرائيل أكثر من بغضهم للعصابات الإجرامية؟ القرار بيد المجتمع، فإما أن نرفض «داعش» وما شابهه من التنظيمات بأوضح العبارات الممكنة، أو نسمح لهم بأن يصبحوا واجهة للمسلمين. وعندما نقول: «إن هذا ليس هو الإسلام»، فإننا نرفض هؤلاء المجرمين باعتبارهم مشكلة طرف آخر، وربما يبدو من السهل تفادي المسؤولية، لكن ثمن فعل ذلك سيكون باهظاً. وما لم نفعل شيئاً الآن، ستظل الصورة راسخة في أذهان العالم على مدار سنوات كثيرة مقبلة. ------- ياسمين بحراني أستاذة الصحافة في الجامعة الأميركية بدبي ------ يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»