يُعد التنوع الثقافي تراثاً مشتركاً للإنسانية، ومن العوامل الداعمة لحقوق الإنسان وثروة العالم الثقافية وتحفيز الإبداع والابتكار الذي يقودنا للتعدّدية الثقافية وسلامة البنية التحتية للمجتمع المدني، ولا يرتبط ذلك بتغليب مسألة الانتماء الوطني على مفهوم المواطنة الأشمل في الشرق الأوسط، فالمواطنة هي شعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي تقدم بدورها الحماية وتحافظ على المكتسبات، وتعظم الموارد وتضمن تحقيق العدالة بين جميع أفراد المجتمع. وفي المقابل احترام الجميع للعقد المبرم بين الفرد والدولة، في حين أن كلاً منهما له وعليه حقوق وواجبات تجعله شريكاً إيجابياً في التنمية واتخاذ ما هو مناسب من قرارات تصب في مصلحة الوطن. وأما ربط المواطنة بمفهومي الأمة والقومية، فهو قد لا يكون صائباً، ولا أوافق الرأي من يربط القومية حصرياً بالاثنية أو العرق في إطارها الأكبر وبدرجة أقل ضمن حدود القبيلة والطائفة والإقليم في مفاهيم مسيسة أو إقصائية، وإنْ كانت تلك العملية ليست قاعدة بالضرورة. فلماذا يتم تجاهل مفهوم القومية الذي يتمحور حول انتماء شعب معين إلى أرض معينة، حيث يتم توحيد جماعات من البشر بأشكال متعددة، سواء كانت قبائل أو إثنيات مختلفة أو متشابهة، وبروز سلطة من بينهم تحافظ على هذا التنظيم كمجموعة لها موارد وهوية مرتبطة بها ككل ضمن تلك الأرض. وضمن كل قومية هناك قوميات عدة، واللبس المتعمد وغير المتعمد منه في الكثير من المفاهيم، يُشكل أزمة حقيقية قائمة في العالم العربي حول ما تعنيه دولة قُطْرية أو قومية أو وطنية. ففي الواقع لا توجد «دولة مواطَنة» في العالم الإسلامي ككل، وليس العربي فقط بالمفهوم السياسي النظري والقانوني. فالدولة الوطنية لها صفتان رئيسيتان ألا وهما التعبير الشمولي أو الكلي عن المجتمع، وجعل صوت المجتمع مسموعاً ومؤثراً في تسيير أمور الدولة بصوره عامة بجانب الاستقلال السياسي من التبعية الخارجية. وتحقيق المواطَنة يحتاج لعوامل الدستور الوطني وسيادة القانون والنظام واستقلال القضاء تماماً، ناهيك عن أن المواطنة صفة موضوعية يكون بموجبها تحقق المساواة التامة بين أبناء الوطن الواحد، ولا يكون هناك تفاوت وتفاضل في المواطنة بينهم. ويبدو لي أن المثقفين والنخب هم أكثر الناس احتياجاً إلى إعادة تأهيل وتدريب لقبول التنوع الثقافي قبل أن تجبرهم معطيات الحياة الحالية، وما هو قادم في النهاية للخضوع لسيطرة قيم العولمة والمجتمعات المعرفية فائقة الذكاء، وستهجر حينها الشعوب فكرة الحوار بين الثقافات، إلى الحوار بين مجموعات وعناصر الثقافة الواحدة، لتحسين آليات التعامل الأنسب مع المواطنة المحلية مقابل المواطنة الكونية، وستصبح الثقافات المغلقة مستعمرات بدائية معرفياً وحقول تجارب معزولة عن العوالم المتقدمة. وواحد من أهم الأسئلة في عصرنا الحالي كعرب، هو ما مدى استعدادنا لفهم الثقافات الأخرى؟ وكيف يمكننا أن نتكلم عن الحوار بين الثقافات إذا كانت هناك فجوة وعدم كفاية في المعرفة المتبادلة بين القيم الأصيلة والأطروحات الشعبية المجتمعية والثقافية والفكرية والدينية كما هي بين الحضارات؟ في حين أن القوى الكبرى تنفق أكثر وأكثر على رسم صورتها الإيجابية المتحضرة للعالم وإظهار الآخر بصوره أقل جاذبية، بل تقذيمه وتبرير أسباب التعامل معه بتلك المنهجية، وبالقدر نفسه تقوم الطبقات المختلفة والقوى المختلفة في كل مجتمع محلي بالفعل نفسه. فكيف نصل لتنوع ثقافي ومفهوم مواطنة معتدل وعادل، ومن يضع المعايير هو نفسه غير عادل وغير موضوعي، ويرى من لا يملك القوة أو السلطة أو الفقير أو غير متعلم مثلاً لا يستحق أن يلتفت له في تحديد وتعميم تلك المفاهيم، ولذلك المواطنة تعني أشياء مختلفة في كل عصر، ولكل فرد أو جماعة أو مجتمع أو ثقافة، والإجماع الإقراري على المواطنة في بعض الحضارات، لن يجعله إجماعاً قطعياً بالتأكيد بين الثقافات المختلفة. وما نسميه تبادلاً ثقافياً ومعرفياً في وقتنا الحاضر بين أفراد الثقافة الواحدة أو ثقافات مختلفة يتم في ظروف غير متكافئة للغاية واحتكار القلة لما يقر أن يكون نمط ينفذه ويتقبله العامة، وهذا الاختلال أراه تهديداً لأمن التنوع الثقافي والحضاري الذي ترى فيه الدول الصناعية الكبرى أو النخب في المجتمعات أهمية استراتيجية يحتفظون بأسرارها لنفسهم ولخدمة مصالحهم الخاصة، حتى أصبحت جملة المصلحة الوطنية مثيرة للريبة عندما ينطق بها الساسة، وهو ما يقودنا إلى قبول التداخل الضمني بين الوطنية والهوية والمواطنة، وأهمية التنوع، خاصة بين الهويات الثقافية والسياسية والمدنية والمذهبية والقومية ..الخ في المجتمع الواحد، شريطة أن تتوافق في إطار وطني موحد، وتمهد الظروف للحوار وتبادل حقيقي يأخذ في عين الاعتبار الوزن الكامل للتطورات الأخيرة للرأسمالية الثقافية، والتحولات المهمة في ديناميكية تنظيم الدولة ككيان، والعلاقات بين المجتمعات والثقافات، وتعدد تعريفات الثقافة والتعددية والتنوع الثقافي بين كلاسيكي وحداثي، وما هو خاص بكل حضارة، وهو ما يرفضه الغرب تماماً، وقبله رفضته كل ثقافة كانت سائدة، في حين تعتبر مسألة دمج الخيارات الفردية والجماعية في التفاعل مع غيرها من أجل بناء القيم المشتركة للوصول إلى الإنسانية قبل العالمية وجعل ذلك ضمن السياسة الوطنية، التي تتضمن بعض الاعتراف القانوني للمكونات المختلفة للثقافات الوطنية وعدم الوقوع في فخ الحداثة كمعيار يساوي التوحيد الحضاري ودولية الثقافة المحلية لخلق هوية دفاعية والاستثناء الثقافي والفكري لحماية التنوع الثقافي والفكري، هو أمر آخر مرفوض من الثقافة الغربية المهيمنة على العالم وعرقلة تحرر الأسواق الثقافية. وتطوير بعض الميزات الفريدة الخاصة بكل ثقافة من تلقاء نفسها ونشرها دولياً دون مباركة ومشاركة الغرب. فمن الطبيعي أن القومية والهوية الوطنية لكل دولة يجب أن تكون متأصلة في إطار حضاري واسع يكفل لها التنوع والتسامح في توليفة هويات سيكون بينها حتماً صراعات وخلافات لا ضرر منها، طالما أنها سلمية ولا تهدد وحدة وسلامة البلاد أو قمع الآخر المختلف، ومن التهور وغير العقلانية أن نفترض أن هناك انسجاماً تاماً بين مكونات الهوية الوطنية ومجمل قواعد التقاليد المجتمعية بجميع أطرافها وطوائفها، ما يبرز أهمية نقد الهوية الوطنية لحمايتها من التهديدات الخارجية، وكذلك التآكل والتحجر الداخلي، ولا بأس في وجود قصور وعدم تبلور منظومة التعددية والتنوع لتعزيز المواطنة، وحتى ضعف التجانس والتنظيم، لأن الأمر برمته في حراك دائم. كما أن تشابك قضية الوحدة والتكامل الوطني بشكل وثيق مع السياسة الثقافية من الأجدى أن يكون مفهوماً ومقبولاً على مستوى القاعدة الشعبية، وينبغي النظر إلى مفهوم التنوع الحضاري والثقافي والفكري والقومي والديني والتراثي والقيمي، كجزء من التنمية الشاملة للدولة في سياق المواطنة جنباً إلى جنب مع التعددية الثقافية والهوية الوطنية، وهي ثلاثة أبعاد مترابطة للتنمية ومرتبط بصورة وثيقة مع رفاهية الإنسان المستدامة بغض النظر عن الاختلافات والخصوصيات الإقليمية والمصالح والتطلعات الطائفية والمذهبية والفئوية والفردية، التي ستكون دائماً جزءاً من طبيعة الحياة الاجتماعية للبشر، ودور الدولة هنا يتمثل في فرض درجة معينة من التسامح والتعايش دون صراعات عنيفة، حيث يتم تشجيع ثقافات الأقليات لدعم عاداتهم وفكرهم ومعتقداتهم ونمط سلوكهم الاجتماعي، الذي لا ينتهك بدوره حرية الآخرين ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم، علماً بأن التعددية الثقافية نفسها، يمكن أن تنهار على المستوى العملي، إنْ لم تفهم على أنها سياسة وفلسفة صحيحة من قبل الأغلبية الساحقة.