لم تنقطع أجهزة الفكر والسياسة والإعلام في إسرائيل يوماً واحداً عن إنتاج أفكار مغلوطة ومفاهيم مضللة عن عمد لتحقيق أهداف محددة. لذلك يتطلب الأمر التنبيه لهذه المفاهيم التي تؤدي إلى اختراق العقل العربي عند نقلها دون تفنيد إلى اللغة العربية. أحد النماذج التي نراها خلال العدوان الأخير على غزة هو مفهوم دولة إسرائيل المسالمة التي تتعرض مدنها للقصف بالصواريخ. لقد كرر نتنياهو هذا التعبير مرات عديدة وهو يتحدث مع الإعلام ومع رؤساء الدول الأخرى قائلاً: «هل نقبل أن تتعرض واشنطن أو باريس أو لندن للصواريخ؟». إن أحداً في العالم لا يقر تعرض المدن الآمنة والسكان المدنيين غير المشاركين في القتال لمخاطر القصف، ولكن التدليس هنا يقع في أمرين؛ الأول أن مفهوم إسرائيل المسالمة هذا يسقط عمداً الصفة الأهم المتجسدة في الواقع، وهي وصفة إسرائيل كدولة الاحتلال. إن هذه الصفة ناتجة عن حقيقة وجود قوات الاحتلال الإسرائيلية في الضفة الغربية وعن قيام هذه القوات بإحكام سيطرتها على قطاع غزة والتحكم في مجاله الجوي ومجاله البحري وحدوده البرية وفرض حصار على سكانه. لسنا في حاجة إلى التذكير بأن المواثيق الدولية تعطي الشعوب الخاضعة للاحتلال حق مقاومته بالوسائل العسكرية. وهنا يصبح الاحتلال وفرض الحصار على الشعب الفلسطيني الموضوع الذي يجب التركيز عليه واعتباره مفتاح المشكلة ومصدر العنف، وبالتالي فإن مقارنة مدن دولة الاحتلال بمدن الدول الطبيعية التي لا تحتل شعوباً أخرى نقطة تستحق من خبراء القانون الدولي العرب الدراسة المتعمقة لبيان الفارق. وهنا لا يجب أن ننسى النماذج العديدة لقصف المدن في حالات الحروب، والتي مارستها جميع الدول المتحاربة بدون استثناء. لقد قصف هتلر لندن بصواريخه، وقصف الحلفاء المدن الألمانية، وقامت الولايات المتحدة بقصف نجازاكي وهيروشيما بالقنابل النووية. وأشهد شخصياً على تعرض مسقط رأسي بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي عام 1956 للقصف بالنابالم والقنابل الحارقة من الطائرات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية. لقد شاهدت بعيني ألسنة اللهب وهي تلتهم جميع المباني المدنية الواقعة على شاطئ بورسعيد وتحاصرنا في شريط ضيق من الأرض. أما الأمر الثاني الذي يخضع للتدليس فهو الزعم الإسرائيلي بأن القصف الممنهج الذي تقوم به الطائرات الإسرائيلية لأحياء غزة السكنية هو رد فعل للقصف الفلسطيني ودفاع شرعي عن النفس. ذلك أن القصف الفلسطيني - رغم تحفظي على استهدافه للمدن ومطالبتي بتوجيهه للمواقع العسكرية لقوات الاحتلال- لا ينشأ أصلاً كما قلنا إلا باعتباره وسيلة من وسائل مقاومة الاحتلال وأداة ضغط. لقد لاحظنا أن وفد المفاوضين الفلسطينيين في القاهرة يركز مطالبه على تسهيل حياة سكان غزة في البر والبحر والجو، وهو ما يعني أن المقاومة العسكرية تهدف فحسب لتفكيك الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال. فكيف يمكن إذن المساواة بين مقاومة تستهدف تحقيق حياة طبيعية لشعبها وبين قصف ممنهج من دولة الاحتلال يهدف إلى تكريس الحصار ودوافع الاحتلال؟