أليس هناك شيء من الغرابة في أن الولايات المتحدة، وهي أغنى بلد في العالم، تسير الآن على مسار اقتراض أكثر من 500 مليار دولار أميركي من الخارج هذا العام؟! أليس الأغرب من ذلك أن هذا الاقتراض يشتمل على سحب مبالغ كبيرة من بلدان مثل الصين والهند، وهما البلدان اللذان يعيش الكثير من سكانهما البالغ عددهم أكثر من 2,3 مليار نسمة، على أقل من دولار أو دولارين في اليوم؟!
لا شك في ذلك، فأنا أعلم أن هناك أسباباً تفسر تدفق الأموال على النحو الذي يتخذه الآن؛ ومن ذلك أن الولايات المتحدة لها تاريخ طويل في معاملة المستثمرين الأجانب بشيء من الاحترام، وتعود بدايات ذلك إلى عقد الثمانينيات من القرن ،18 عندما قرر “أليكساندر هاملتون” أول وزير للخزانة الأميركية أن يسدد ديون حرب ما قبل الثورة· ويضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تتمتع بمعدل نمو اقتصادي جيد (تقول التقديرات إنه سيبلغ 4 في المئة في العام المقبل)، وإن يكن أقل من معدل النمو الاقتصادي في الهند (6 في المئة) أو الصين (8 في المئة)·
لكن مهما تكن الأسباب، ولا بد من الاعتراف بأنها أسباب معقدة، فإنه ما زال مستغرباً أن أغنى بلد في العالم قد أصبح إلى حد بعيد أكبر مقترض في العالم، حيث بلغ حجم صافي ديونه المستحقة لدول العالم الأخرى (أي الموجودات مطروحة منها المستحقات) أكثر من 2 تريليون دولار· كان ذلك ليجعل الرومان يشعرون بالغيرة إذ أنهم تورطوا في المآزق لاستخلاص الضرائب من امبراطوريتهم، في حين أن العالم الآن يقدم الأموال إلى الولايات المتحدة·
حتى إذا وضعنا الشق الأخلاقي المعنوي من المسألة جانباً، ينبغي أن تملي المصلحة الذاتية أن تكون الولايات المتحدة بلداً يقرض بقية بلدان العالم، بدلاً من أن يكون مقترضاً· إننا سكان ماضون في الشيخوخة وينبغي أن ندخر لأيام التقاعد أموالاً على شكل موجودات حقيقية في الخارج· ومن سوء الحظ أن المرء لا يعي ذلك الآن في غمرة جنون الاستهلاك الذي انطلق في السنوات الأخيرة· ربما أننا نحن الأميركيين من صاغوا العبارة الشائعة التي تقول: “البنس المدَّخر هو البنس المكسوب” (ويقابله في العربية:لك من مالك ما أنفقت ومن ثوبك ما أبليت)، غير أن ذلك القول تحول لدينا وصار: “يسرني أن أدفع لك غداً ثمن همبرغر معدل وراثياً أحصل عليه اليوم”·
إن حكومات الولايات مصابة بالنزيف، وولاية “كاليفورنيا” وحدها مازالت تعاني من عجز يفوق، بحسب الكثير من التقديرات، حجم العجز في كثير من البلدان· وماذا عن الحكومة الفيدرالية الأميركية؟ لا بأس، إن واشنطن تسير نحو إحراز أرقام قياسية في العجز من الممكن أن يستغرق تحطيمها حياة جيل كامل· وماذا عن المستهلك الأميركي؟ نحن ندخر من مداخيلنا أقل مما يدخره أي اقتصاد غني آخر؛ فالمواطنون الصينيون يدخرون نحو 40 في المئة من دخلهم، وستكون الولايات المتحدة محظوظة إذا قرر مواطنوها أن يدخروا نصف ما يدخره الصينيون· ومهما بلغت من الغنى والثراء، يعني استمرارك في إنفاق أكثر مما تكسب، إنك في نهاية المطاف واقع في المشكلات·
لا بأس، أعترف بأن ثقافة الإنفاق التي نعيش فيها تلائم الآن ضرورات وظروف اللحظة الراهنة، وبأنها تساعد على عملية تعافي الاقتصاد التي طال انتظارها· وفي الواقع إن بقية دول العالم تهلل لنا وتفرح كلما أنفقنا حفنة من الدولارات· لكن ماذا يحدث في الصباح يا ترى إذا عاد النظام الطبيعي المعتاد وبدأت الولايات المتحدة هبوطها السريع نحو المديونية الدولية؟ عليكم بالتحدث في هذا الأمر إلى المسؤولين الأميركيين وسيقولون لكم: لا تقلقوا فهذا البلد قادر دوماً على معالجة المزيد من الديون الدولية· ولا شك في أن ذلك يأتي على غرار قدرة مدمن الكحول على معالجة مشكلة كأس آخر من الشراب·
لكن الأرقام تسرد قصة مختلفة، وهي توحي بأن كل هذا الاقتراض لابد له من أن يتباطأ على نحو دراماتيكي ذات يوم، هذا إذا لم ينته· حتى التباطؤ في معدل الاقتراض يمكن أن يكون سبباً كافياً لدفع الدولار إلى الهاوية من ارتفاع شاهق، وعلى حين غرّة، ستختفي كل تلك الأصوات الفرحة التي تهلل لنا في بقية بلدان العالم· ذلك أن أوروبا تئن الآن جاهدة في محاولة للتماشي مع التعافي الاقتصادي الذي يجري في كل أنحاء العالم، ذلك أن ارتفاعاً حاداً آخر في معدل صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي- وهو ما من شأنه أن يجعل الصادرات الأوروبية أغلى وأبهظ تكلفة- من الممكن أن يؤدي إلى إيقاف النمو الاقتصادي الأوروبي وتجميده؛ ثم إن وضع اليابان أشد خطراً من ذلك· والولايات المتحدة ليست جزيرة معزولة، وإن من شأن حدوث انهيار اقتصادي في بقية دول العالم أن يهدد إمكانية استدامة تعافي اقتصادنا نحن أيضاً·
فما العمل إذاً؟ هل نحبس أنفاسنا ونصلي ضارعين راجين أن أضخم فورة اقتراض في التاريخ ستتباطأ وتنحل عقدها بسلاسة ومن دون أي عناء ولا عرق؟ أم ينبغي علينا أن نقلق قليلاً من أننا، عندما تنتهي المعمعة كلها، سوف نشعر بالشوق والحنين إلى أيام الازدهار الخوالي التي عشنا فيها تعافي “ا