عاشت أوروبا آخر لحظات القرن التاسع عشر سياسياً وحضارياً مع يوم 28 يونيو 1914، عندما تم اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية على يد أحد متطرفي الصرب. فقد أطلق هذا الحدث سلسلة من الأحداث والكوارث على امتداد أوروبا وآسيا والعالم العربي، تمثلت في محن الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، التي غيرت إلى الأبد تاريخ وجغرافيا الكثير من الأمم والبلدان، وأدت إلى سقوط أسر حاكمة وامبراطوريات، وظهور دول وأنظمة جديدة كل الجدة على التاريخ الأوروبي خاصة، كالاتحاد السوفييتي! أنزلت الحرب دماراً واسعاً بالكثير من المدن والمناطق والآثار الأوروبية من منازل وقصور وكنائس، ولقى فيها ملايين الأوروبيين من عسكريين ومدنيين حتفهم. فقد التقى الجيشان الألماني والفرنسي في معركة فردان Verdun على امتداد أشهر ابتداء من فبراير 1916. وعندما انجلى دخان البنادق والمدافع والقنابل، كانت خسائر الطرفين من القتلى متساوية، إذ خسر كل منهما 400 ألف رجل، قرابة المليون إنسان للطرفين! لا نكاد نصدق اليوم كيف كانت بداية تلك الحرب. فما أن انتشر خبر اغتيال ولي عهد النمسا يوم 28 يونيو 1914، حيث عُرف أن «منظمة اليد السوداء» الصربية هي التي سلحت القاتل ومن معه، حتى توالت التطورات: أعلنت حكومة النمسا والمجر الحرب على صربيا حليفة روسيا. وقررت الإمبراطورية القيصرية الروسية نجدة وحماية «الصرب» مهما كان الثمن، وهو موقف روسي رأيناه يتكرر حتى في أحداث حرب البوسنة في نهاية القرن العشرين. ولهذا قررت روسيا إعلان التعبئة العامة لردع النمسا. فوجدت إمبراطورية ألمانيا نفسها مجبرة على دعم إمبراطورية النمسا والمجر، وإن كانت تدرك أن مساندة النمسا ضد روسيا سيخلق أزمة عسكرية مع فرنسا. وكانت ألمانيا تعرف استراتيجياً أنها لابد من أن تهزم فرنسا أولاً قبل أن تتفرغ لدحر روسيا، كي تتجنب الحرب على جبهتين. ولهذا أعلنت الحرب على روسيا ثم على فرنسا بعد يومين، وبادرت إلى اكتساح بلجيكا المحايدة، فاضطرت بريطانيا، التي كان يربطها ببلجيكا التزام دفاعي منذ اتفاقية لندن 1840، إلى إعلان الحرب على ألمانيا. وتتابعت إعلانات الحرب الأخرى: من «الجبل الأسود» ضد النمسا، ومن صربيا ضد ألمانيا، ومن إمبراطورية النمسا والمجر ضد روسيا، والجبل الأسود على ألمانيا .. وهكذا اشتعلت جبهات أوروبا كلها. يصف أستاذ التاريخ الأوروبي الحديث «فريتز ستيرن» Stern لحظة الانفجار المشحونة ثقة وفخراً ووطنية فيقول: "بأي براءة وأي حماس استجاب أوروبيو 1914 لناقوس الخطر!. لم يتصوَّر أحد منهم حتى الملامح العامة للكارثة القادمة، ورحب معظم الناس بالحرب كمخاض وطني عظيم - فبعد عقد من الأزمات المتفاقمة وسباق التسلح المحموم، آن الأوان لأن يتوقعوا المنازلة النهائية. إلا أنهم، بعد عقود من السلم الممتد، كانوا قد نسوا مآسي الحروب، ولم تكن إلا في بصائر القلة حقيقة أن الحرب الحديثة ستضاعف أهوال الأزمات السابقة». وسط كل هذا الحماس الوطني والأفكار المغلوطة عمّا ستجلبه هذه الحرب القادمة، يبين المؤرخ، «زحف الأوروبيون نحو الصدام بما يشبه الابتهاج، غارقين في مشاعرهم الحماسية، واثقين بعدالة قضيتهم، متأكدين من قرب النصر والظفر. فكانت هذه هي المرة الأخيرة التي تنال فيها الحرب في حضارتنا، التحية والترحاب». (The Columbia History Of the World, ed: John A. Garraty and Peter Gay, Harper & Row Publishers, N. y. 1987m P. 981). كانت فكرة الحرب الخاطفة قد اختمرت طويلاً في أذهان جنرالات القيادة الألمانية. وكانوا يخططون لاحتلال العاصمة الفرنسية من الغرب عبر بلجيكا، التي باتت في قبضة الجيش الألماني، وإنهاء قدرة فرنسا في المقاومة خلال أسابيع. وفي سبتمبر 1914 كان الألمان على مقربة من باريس لولا تعجلهم الذي سمح للفرنسيين والإنجليز خوض «معركة المارن» الأولى، التي أوقفت مسيرة الألمان. غير أن زهرة شباب أوروبا تم سحقه في هذه المجابهة وما تلاها. فقد تساوت كفتا القتال شرقاً وغرباً، وحُفرت الخنادق من القنال الإنجليزي حتى جبال الألب، وتوالت مآسي هذه الحرب حتى عام 1918، أكثر من أربع سنوات دامية مروعة. ولم تقتصر الحرب العالمية الأولى كما ذكرنا على المسرح الأوروبي وحده، بل كانت لها أفرع، وبخاصة الحرب بين بريطانيا والأتراك العثمانيين في الجزيرة العربية والحجاز وبلاد الشام والعراق، والتي انتهت كما هو معروف بهزيمة الجيوش العثمانية، وانسحابها من البلدان العربية. اشتهرت الحرب العالمية الأولى بالتحصن داخل الخنادق والمتاريس، وتبادل الهجوم بين الطرفين المتقابلين. وهكذا طال أمد الحرب، وأنزل كل طرف بالآخر خسائر بشرية فادحة، ولكن الإنهاك والبرد وانهيار المعنويات من جانب، واستخدام الدبابات للمرة الأولى في هذه الحرب وبخاصة ضد الألمان، واشتراك الجيوش الأميركية التي كانت تتدفق بمعدل ربع مليون جندي كل شهر، عجلت بنهايتها. كانت الخسائر البشرية ما بين 10 - 13 مليون إنسان، وبلغت تكاليفها نحو 350 بليون دولار، آخذين في الاعتبار قيمة الدولار عام 1918. نجم عن الحرب كذلك تخلف مكانة أوروبا الاقتصادية في المنافسة التي تلت الحرب، وحرمان القارة من السواعد الشابة، التي اشتدت إليها الحاجة لقيادتها. فقد كان بين القتلى مثلاً نحو 20% من طلبة جامعة اكسفورد البريطانية، ونحو 143 من 346 طالباً من جامعة Ecole Normale Superieure الفرنسية. ومن عاد سالماً منهم ومن مدرسيهم كانوا طلاباً وأساتذة مختلفين كل الاختلاف عن الذين استقبلوا الحرب عام 1914 بحماس، أو جندوا في صفوفها فيما بعد. خلفت الحرب نحو عشرين مليون جريح، وعانت مساحات زراعية هائلة من فرنسا من دمار التربة جعلتها غير صالحة للاستفادة. وكانت مدن مثل برلين وفيينا وحواضر أخرى قد عانت بسبب الحصار والحرب مجاعات وأهوال لا توصف. وعمت مدن ومناطق شرق أوروبا الأمراض والأوبئة، التي كانت تحصد الملايين، كالكوليرا والانفلونزا والتيفود، فيما كانت الثورات والانتفاضات تهدد الأنظمة القائمة، وبخاصة بعد نجاح ثورة فبراير الروسية عام 1917. مست الحرب في الحقيقة شغاف قلب أوروبا وحضارتها، فتغيرت نظرة الناس نحو الأفكار والمبادئ والشعارات، كما تبدلت مواقفهم وبعض قيمهم الأخلاقية من الأساس. هذه الحرب، كتب مؤرخ كان محارباً في صفوف جيوشها، كَوَت عقول وشخصية جيل كامل. ويضيف هذا المؤرخ الإنجليزي والمحارب السابق عن تجربته في حرب الخنادق، أن الحرب كانت للكثيرين اكتشافاً للعنف، وربما توقاً للعنف المنبعث من داخل ذواتهم، والتي عجزت قيم التربية واللطافة المكبوتة، والتي كانت تمثل ثقافة ما قبل 1914، أن تحدّ من ممارستهم له: «معظم الناس في اعتقادي داخلهم إنسان بدائي متوحش من العصور الحجرية .. هذا ما في داخلي أنا على الأقل». كتب الكثير عن هذه الحرب الطاحنة التي نقلت البشرية من عصر إلى عصر، وصدمت وجدان الملايين قبل قرن. حتى ظن الكثيرون أن البشرية لن تدخل حرباً مثلها بعد ذلك غير أنهم بالطبع كانوا واهمين. حاول الكثيرون تحليل هذه الحرب واستخلاص الدروس منها، ولا تزال مثل هذه الكتب والمقالات تنشر بانتظام. يقول الكاتب محمود عبد الناصر في مقال بعنوان «دروس مستفادة من مئوية الحرب العالمية الأولى»، الحياة، 20 - 05 - 2014، إن الدروس المستفادة منها لا تنتهي. منها أن دولاً متقاربة في أيديولوجيتها قد تتحارب، ومنها أن الحروب تنشب لحل بعض المشاكل ولكنها تخلق بدورها مشاكل أخرى لا تحل إلا بالحروب.