لم يكن مفاجئاً أن تقوم إسرائيل بعدوانها الجديد على غزة بعد أن بدأت ملامح من التفاهم والتقارب تظهر بين القادة الفلسطينيين باتجاه المصالحة، فأخطر ما تخشاه إسرائيل هو وحدة الموقف الفلسطيني، لأن قوة إسرائيل مستمدة من شتات العرب وضعفهم. والحرب الشرسة المعلنة على غزة اليوم تكشف أن كل ما أنجزته الشعوب العربية عبر تضحياتها المريرة منذ أربع سنوات تقريباً هو مزيد من الانهيار والتردي وبخاصة في دول الثورات العربية التي سرعان ما اختطفتها أفكار متطرفة وتدخلات دولية ذكية نجحت في تحويل هدف الشعوب بتحقيق الحرية والكرامة إلى حروب أهلية دامية. ولعل أخطر ما كشفت عنه المستجدات التي عشناها منذ أربع سنوات هو الريبة في كوننا أمة واحدة حقاً، لقد صارت لدينا جبهتان تحارب إحداهما الأخرى بشراسة تكاد تفوق ما تفعل إسرائيل في غزة، والخاسر الوحيد هو الأمة، بينما الرابح الوحيد هو إسرائيل التي تمكنت من خلال حضورها القوي في الساحة الدولية من أن تدير اللعبة بما يحقق مصالحها. وربما سيكشف المؤرخون بعد عقود أن هذه المرحلة شهدت أخطر ما واجه إسرائيل من تحديات وأعظم ما حققته من انتصارات، وحسبها أنها أتقنت لعب دور مثير وهي صامتة تعمل في الخفاء حتى صار مجلس الأمن مسرح عرائس تدير خيوطه ببراعة. وقد وصل الأمر إلى أنها سخرت من دول عظمى دفعت قادتها إلى إعلان الحرب على سوريا ثم أمرتهم بأن يكتفوا بحل لصالحها هو نزع الأسلحة الكيماوية التي تشكل خطراً مستقبلياً عليها. ومع أننا نحمد الله أن هذه الحرب لم تقع إلا أننا نعجب من رداءة المسرحية التي تعرض أبطالها الكبار لحرج أمام شعوب العالم حين اكتفوا بحل مشكلة إسرائيل ونسوا القضية السورية التي قرعوا طبول الحرب من أجلها، وتركوا الشعب السوري يواجه محنة لا يعرف لها حلاً ولا نهاية، وهذا ما يجعل الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري شامل استعادة للقرار السوري المضيّع، دون انتظار حلول تجود بها قيادات العالم الذي لم يعد يهتم لمصير السوريين، وقد صاروا شتاتاً في بقاع الأرض. ولقد كان مثيراً أن يتزامن اللعب الدولي بمجلس الأمن ومؤتمر جنيف، مع بداية التحسن السري والعلني في العلاقات الأميركية الإيرانية، وما واكبه من ظهور ملفت لتنظيم «داعش» الذي استلم مدينة الرقة بهدوء من النظام السوري! وقد تم تسليح «داعش» وأخليت له الطريق إلى الموصل كما أخليت من قبل إلى الرقة، وأعلن الخلافة دون أن يبدي الأميركان والأوروبيون رود فعل جادة حيال هذا التمدد الذي يبدو تمثيلية أخرى تشبه تمثيلية الكيماوي. وكان من فصولها الأخيرة طرد المسيحيين من الموصل وهذا ما لم يفعله الخلفاء الراشدون، ولا الأمويون حين دخلوا العراق وبلاد الشام، مما يؤكد أن العملية ليست بدوافع دينية قطعاً، وأن وراء الأكمة ما هو أشد وأقسى. ومع أن الغموض ما يزال محيراً في صلة النظامين العراقي والسوري بتسهيل النمو والقدرة للتنظيمات المتطرفة إلا أن الشبهات قائمة، فقد اختطفت ثورة السوريين والعراقيين وتم إضعاف القوى المدنية المعتدلة فيهما، بينما كبر حضور التنظيمات الدينية التي تعلن شعارات بعيدة عما أعلنته الثورات في مرحلة النقاء. لقد تمكنت الأنظمة من تقديم الأدلة على أن ما يحدث هو مجرد صراع بين تنظيمات إرهابية يغذيها الغرب والأميركان والصهاينة لإسقاط قوى «المقاومة» والممانعة، وهذه القوى تطلب اليوم من الغرب ومن أميركا بخاصة اعتمادها لمحاربة الإرهاب. وعلى رغم التناقض الواضح بين كون الإرهاب يستهدف الممانعة وبين كون الممانعة تريد التحالف مع الغرب لمحاربة الإرهاب ضاعت سوريا كما ضاع العراق، وهدف اللعبة إبقاء الشعوب محرومة من حريتها وكرامتها، لأن حصولها على هذه الحرية سيطلق طاقاتها ويعيد بناء قدراتها، ولن تبقى أسيرة بيد المستبدين. وليس مقنعاً أن يقال إن ما تفعله «داعش» ومثيلاتها في تطبيقها لـ«الشريعة» عبر قطع الرؤوس وبتر الأيدي والرجم وصلب طفل مفطر في الرقة مثلاً، هو تنفيذ لحكم الإسلام، فالإسلام ليس جديداً على العالم، ولو أن هذا هو الإسلام حقاً، لاختفى من التاريخ فور ظهوره! وما أظن أن «داعش» تريد إلا تنفيذ خطة متفق عليها، هدفها تقديم بديل ظلامي قاتم، يجعل الخيار بينها وبين الأنظمة دون وجود بدائل أخرى، وهذا ما بدأ الترويج له. وأتوقع أن تكون التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران قد رسمت حدود ما سيحدث حتى لو وصل إلى حد الصدام بين «داعش» والنظامين السوري والعراقي، وهو لابد حادث. ولابد أن الدول الكبرى في العالم مطلعة على التفاصيل، وهذا ما جعل ردود الأفعال باردة، فالغرب الذي صمت على دخول «حالش» (حزب الله) إلى سوريا تاركاً حدوده مع إسرائيل فارغة وكأنه أخذ الأمان منها كي يفتك بالشعب السوري، هو ذات الغرب الذي صمت على تضخم «داعش» حتى وصلت إلى إعلان «الخلافة»، ولم تكن أسلحة «داعش» وأموالها تنزل عليها من السماء، والغرب الذي تفاهم مع إيران وهي دولة دينية يقودها الولي الفقيه مؤقتاً (ريثما يظهر الإمام الغائب) يعرف أنها في العمق لا تختلف في كثير عن دولة «داعش» التي أعلنت «الخلافة» سريعاً لأنها لا تنتظر (عودة الغائب)! كذلك لا يختلف «داعش» عن حزب «حالش» سوى في تفاصيل جزئية، فكلاهما تنظيمان دينيان، وإن كانت إيران قد دخلت اللعبة الديمقراطية التي ترفضها «داعش» فالسر في كون «داعش» ليست جادة حقاً في إقامة «دولة». وما يدعوني إلى الريبة في كون «داعش» مجرد فصل من المسرحية الفجائعية التي تعيشها الأمة هو بدء خطابها بالتهديد بالسيف وأعضاؤها يعلمون جيداً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بناء الدولة يوم دخل يثرب بتسميتها المدينة، ووضع فيها وثيقة هي أهم دستور مدني عرفه التاريخ القديم، وحين فتح مكة أطلق الحرية للناس وقال (اذهبوا فأنتم الطلقاء) وهذا يوحي بأن المشكلة ليست في الأفكار المتطرفة فقط لأنها واهية الحجة ومفتعلة، أما المصالح فهي تعمي الأبصار وتلفق الأفكار.