ما دمت تعمل بحقل إنتاج الأفكار والمعارف في العالم العربي، وحتى لو كنت مجرد ناقل لها، فأنت معرض، لا محالة، لأن تخضع لتصنيف ما، يزيحك إلى أي من الأيديولوجيات السائدة، فإما أنت يساري، أو إسلامي أو ليبرالي، وداخل هذه التقسيمات الثلاثة الكبرى يتم توزيعك على أحد ألوانها، المتدرجة من الاعتدال إلى التعصب الأعمى، مروراً بأشكال عدة من الانحياز النفسي والعقلي. وهذا التصور النمطي لميول وتوجهات وتصورات المفكرين والمبدعين العرب يتجاهل عدة أمور أساسية هي: 1- حق الإنسان في التفكير الحر، الذي يتجاوز الأيديولوجيات الجامدة، إلى آفاق رحبة من العمل الذهني الخلاق، الباحث دوماً عن أطر فكرية وسياسية متجددة قادرة على النهوض بواقع يتغير، لاسيما إذا كان هذا التغير متلاحقاً بسرعة شديدة. ويمتد هذا الحق إلى رفض جميع الأفكار الرائجة في مجتمع ما، في لحظة معينة، من منطلق اقتناع بأن أياً منها غير جدير بالانحياز إليه أو تبنيه. 2- حق من يفكر في ممارسة درجات من النقد الذاتي، الذي قد تصل ذروته إلى حد «القطيعة المعرفية» مع ما كان الفرد يعتنقه من أفكار في الماضي، دون أن تكون هذه النقلة النوعية خاضعة لاعتبارات ذات طابع انتهازي، من قبيل تبديل الأفكار والمواقف بحثاً عن منافع مادية، أو مناصب بيروقراطية، أو مواقع في السلم الاجتماعي، أو خوفاً من تيار سياسي معارض بعينه، أو إرضاء له لتحصيل مكاسب معينة. وهذا النقلة أو تلك القطيعة تتطلب اعترافاً من الآخرين بها، بحيث لا تظل الأفكار القديمة التي كان الفرد يعتنقها تطارده أينما حل، وكأنها ثوب ارتداه، ولن يكون بمقدوره أن يخلعه مهما اتسخ أو بلي، وبات ملفوظاً ممن يرتديه. 3- ضرورة التفاعل مع المحيط الأكبر، الذي يتعدى الحدود الجغرافية للوطن، سواء كان دولة أو أمة بأكملها، بحيث يستفاد على الوجه الأكمل من تجارب الآخرين مع الأفكار، خاصة إذا كان جزء كبير من الأفكار المتداولة والأيديولوجيات المنحاز إليها داخل حدود الوطن وافداً من الخارج، مثلما هو الحال بالنسبة للعالم العربي. فالاشتراكية والليبرالية بأطيافهما ليستا صناعة عربية، وإن كانت التجربة العربية قد اجتهدت في إطارهما، من خلال المزاوجة أو التوفيق بين «الأصالة» و«المعاصرة» أو «التراث» و«التجديد». وحتى التصور السياسي الإسلامي، الذي فارق الدين إلى الأيديولوجيا، يعود في جزء رئيس منه إلى أفكار وردت من خارج العالم العربي، وتحديداً من شرق آسيا، حيث أبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي وغيرهما. لقد عانى، ويعاني بعض منتجي الأفكار في العالم العربي من آفة تصنيفهم ليس فكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً. ولم يستوعب الآخرون أن هؤلاء يفكرون بعقول حرة ونفوس تنزع إلى الاستقلال. وظل كثيرون من أولئك تطاردهم الصورة الذهنية التي التقطت لهم في مستهل طريقهم إلى المعرفة. ومن ثم طالما عبر كثيرون عن حيرة انتابتهم في تحديد توجه مفكر عظيم مثل جمال الدين الأفغاني، أو فيلسوف عبقري مثل حسن حنفي. فالأول تراوح تصنيفه بين الاتهام بالماسونية إلى التجديد الديني، والثاني تباين توزيعه بين الماركسية والتطرف الإسلامي. وعلى مستوى آخر، لم نبحث بجد واجتهاد لنحاول أن نفهم التحولات الفكرية في حياة مفكرين كبار مثل طه حسين، وزكي نجيب محمود، وطارق البشري، والسيد يسين ومنير شفيق. ولم ننتج بعد ما يكفي في علم اجتماع المعرفة ما يؤهلنا للحكم على السياق الفكري الاجتماعي والسياسي بل والنفسي الذي أنتج فيه مفكرون عرب مختلف معارفهم من أمثال قسطنطين زريق ومحمد عابد الجابري وعبدالله العروي، وأدونيس، ومحمد جابر الأنصاري، وعلي حرب، والطيب تزيني وفؤاد زكريا وأحمد أبو زيد والصادق النيهوم وعبدالله الغذامي، وهشام جعيط، وعلي الوردي وأنور عبدالملك... الخ. بل لعل ما أعيا أذهان المتابعين للأفكار في عالمنا العربي هو تصنيف هؤلاء فكرياً، بوضعهم في قوالب جامدة، أشبه بالخزائن الحديدية، لا يستطيعون منها فكاكاً، مع أن الإنتاج المعرفي الذي راكموه بعد تصنيفهم القديم أو الأولي يبرهن جيداً على أنهم تطوروا فكرياً، وربما فارقوا تماماً، أو قاطعوا، تلك الأفكار التي كانوا يتبنونها في مستهل حياتهم. ومع أن بعض السير الذاتية التي خلفها مفكرون، أو الحوارات التي أجريت معهم حول مسيرتهم الفكرية، تدل على أن هؤلاء في حالة جدل مستمر مع الذات والآخر، سواء من خلال علاقات الوجه للوجه مع أندادهم في العالم العربي وخارجه، أو بالاطلاع المستمر على ما يستجد من أفكار في مختلف أرجاء العالم من خلال المصادر المكتوبة، أو بالتفاعل مع السياق الثقافي الاجتماعي المحيط بهم. وآفة قولبة المفكرين العرب هذه مردُّها الرئيس، هو الرغبة في الإمساك بمعيار، حتى لو كان زائفاً أو معيباً، يسهّل على الناس التعامل مع المفكر، حيث الكسل في متابعة ما ينتج من أفكار، وهي مسألة تدل عليها مؤشرات عديدة، منها تدني مستوى توزيع الكتب وطباعتها في العالم العربي، وبالتالي انحسار عدد القراء. وكذلك الضعف الشديد الذي أصاب الحركة النقدية، الأمر الذي بات محل شكوى عامة من المبدعين في المعارف الإنسانية بمختلف ألوانها، علاوة على تراجع حجم النخبة الفكرية ذات الاهتمام الموسوعي، وتقطع أوصال الحوار بين أفراد هذه النخبة، وانتشار ظاهرة «الثقافة السماعية»، التي تهيئ المناخ الفكري لتقبل الآراء الجاهزة، أو «المقولبة» والمحرفة والأحكام السريعة على المفكرين، وطغيان السياسي على الفكري في حياتنا، بما ربط الرعيل الأول من مفكرينا بمشروعات سياسية، حزبية أو تنظيمية، وهي مسألة، على رغم تراجعها، إلا أنها لا تزال حاضرة في العقل الجمعي العربي في تقييمه للمنتج الفكري. ولا يزال هذا العقل غير قادر، أو لا يريد أن يستوعب، أن هناك من يفكر بطريقة حرة، بعيداً عن القوالب الجامدة.