إسقاط الرحلة إم إتش 17 التابعة للخطوط الجوية الماليزية لفت انتباه العالم إلى الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا، لكن الأسئلة الأهم مازالت بدون إجابات: ما الذي ينوي فعله الرئيس فلاديمير بوتين؟ وإلى أي مدى سيذهب في مخططاته؟ وماذا ينبغي للولايات المتحدة فعله لمواجهة ذلك؟ بوتين أمر بغزو جورجيا في 2008، وبغزو شبه جزيرة القرم وضمها في 2014، والآن بزعزعة استقرار شرق أوكرانيا. وبذلك يكون بوتين قد خرق اتفاق ما بعد الحرب الباردة في أوروبا الذي تبنته كل الدول الأوروبية (بما فيها روسيا) بعد انهيار الشيوعية ونهاية الاتحاد السوفييتي، والقاضي بقبول الحدود القائمة وسيادة وسلامة أراضي كل الدول، وحقها في اختيار المنظمات والتكتلات التي تريد الانضمام إليها بعيداً عن أي تهديد أو استعمال للقوة. فما الذي يريده بوتين؟ الرئيس الروسي لديه رؤية مختلفة لأوروبا، إذ يسعى لاسترجاع مجد وعظمة روسيا من خلال كونفيدرالية تهيمن عليها روسيا (اتحاد أوراسيا)، إلى جانب المنظمات الأمنية والتجارية المرتبطة بها. وهو يتمتع بالدهاء والتخطيط الاستراتيجي والصبر، ولديه الآن بيلاروسيا وكازخستان وروسيا كأعضاء، في ما تنتظر أرمينيا وقرغيزستان وطاجيكستان دورها. لكن بوتين يحتاج إلى أوكرانيا حتى يمنح مشروعه قوة اقتصادية وجيوسياسية، وهذا يتطلب منع أوكرانيا من الانضمام للاتحاد الأوروبي والناتو. ومن خلال ضمه شبه جزيرة القرم وإثارة الانفصاليين في شرق أوكرانيا، يحقق بوتين هدفين: يضغط على أوكرانيا، ويخلق نزاعاً ترابياً معها لجعل الدول الأوروبية تكره قبولها كعضو في الناتو أو الاتحاد الأوروبي. لذلك ينبغي أن يكون هدف العقوبات الأميركية والأوروبية المنسقة هو إقناع بوتين بسحب الأسلحة والمرتزقة الروس من أوكرانيا وإنهاء دعم الانفصاليين عبر الحدود. وبعدئذ، تستطيع الحكومة الأوكرانية الشروع في مفاوضات الحكم الذاتي التي تريد خوضها مع مواطنيها في الشرق، لكن الدعم الروسي للانفصاليين يجعلها مستحيلةً. والحال أن مثل هذه المفاوضات قد تعبّد الطريق للحكومة الأوكرانية حتى تخاطب مواطنيها في القرم بشأن تخوفاتهم ووضعهم. لكن هذا الحوار يجب أن يكون خالياً من الضغط الروسي. لكن هل العقوبات كافية؟ كلا. والواقع أن بوتين بارع في استغلال الانقسام والتشويش بين جيران روسيا للدفع بأهدافه إلى الأمام؛ لذلك، يتعين على الولايات المتحدة: -أن تقطع الطريق على روسيا من خلال إزالة أو تقوية نقاط الضعف والهشاشة الأوروبية ضد الاستغلال الروسي. -أن تطمئن حلفاء الناتو المعرّضين للضغط الروسي بأن الناتو ملتزم بالفصل الخامس الذي يضمن أمنهم. - أن تردع مزيداً من التحركات الروسية ضد أوكرانيا أو أي دولة أخرى تخرق المبادئ الأساسية لاتفاق ما بعد الحرب الباردة. -أن تتجنب إعادة تقسيم أوروبا التي قد تعقب إقصاء روسيا من أوروبا في تعارض مع علاقاتها الاقتصادية والتاريخية مع جيرانها إلى الغرب. لماذا هذه النقطة الأخيرة؟ الواقع أن تحركات بوتين تستوجب التنديد والشجب، لكن لابد من ترك الباب مفتوحاً لروسيا إذا عادت إلى توافق ما بعد الحرب الباردة، إما لأن بوتين غيّر موقفه (وذلك جد مستبعد) أو بسبب جهود الروس الملتزمين بمستقبل سلمي وديمقراطي أكثر. كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف؟ الولايات المتحدة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي تحتاج لاستراتيجية شاملة تتخذ هذه التدابير: - إعادة تنشيط الرؤية التاريخية لأوروبا واحدة وحرة وفي سلام، كبديل لرؤية بوتين حول هيمنة روسيا على جيرانها وسلطويته المتزايدة في الداخل. -إكمال شراكة التجارة والاستثمارات العابرة للأطلسي التي تربط أوروبا والولايات المتحدة في علاقة قائمة على النمو والازدهار الاقتصادي تترك الباب مفتوحاً لإضافة مشاركين إضافيين مثل تركيا، ثم في النهاية روسيا ديمقراطية ومسالمة. -تطوير استراتيجية مشتركة عابرة للأطلسي بخصوص الطاقة تستعمل شحنات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، والنفط الصخري والغاز الصخري من أوروبا، والاستعمال المبتكر لبنية خطوط الأنابيب الحالية، وبناء خطوط أنابيب جديدة لا تسيطر عليها روسيا بغية تقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على النفط والغاز الروسيين. - استئناف سياسة «الباب المفتوح» التي يتبناها الاتحاد الأوروبي والقائمة على عرض اتفاقيات الشراكة، وفي النهاية العضوية، على البلدان الواقعة إلى الشرق والساعية إليها باتفاقات لا تتطلب قطع العلاقات الاقتصادية والتاريخية مع روسيا. - تجديد التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا من خلال عمليات انتشار ومناورات إضافية للجنود. - إعادة تفعيل حلف الناتو من خلال عمليات تخطيط ومناورات وقدرات عسكرية إضافية من أجل المهمة الأساسية للحلف والمتمثلة في حفظ الأمن الأوروبي، مع ترك الباب مفتوحاً للدول الساعية للعضوية والتي تستوفي الشروط والمعايير المطلوبة. - مساعدة الدول المعرّضة للضغط الروسي على تقوية قدرتها للدفاع عن أراضيها ضد أي هجمات مسلحة أو عمليات تخريب وزعزعة استقرار؛ ويشمل ذلك تقديم تدريبات ومعدات عسكرية وشُرطية. - مساعدة الشعب الأوكراني على تخطي عقدين من الزعامة الفاشلة وتشكيل حكومة نزيهة وديمقراطية واقتصاد مزدهر. إلى أي مدى سيهذب بوتين في سياسته؟ إذا استرشدنا بالتاريخ، فالأرجح أنه سيستمر في الدفع إلى الأمام طالما أنه يحقق النجاح ولا يواجه مقاومة حقيقية. لذلك، فإن إيقافه لا يتطلب عقوبات فحسب وإنما استراتيجية شاملة. _ _ _ _ ستيفن هادلي مستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 2005 و 2009 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»