كثيرة هي الرياح التي تهب على منطقة الشرق الأوسط وتثير سؤالاً كبيراً عن مستقبلها، بعد أن أصبح بعضها عاصفاً في الأشهر الأخيرة وخاصة منذ سيطرة عدة ميليشيات على مناطق واسعة في شمال العراق واستيلائها على مدينة الموصل، ثم إعلان تنظيم «الدولة الإسلامية» الخلافة، ودخول قوات «البشمركة» الكردية مدينة كركوك. فقد أصبح السؤال عن حدود التغيير الذي تشهده المنطقة مطروحاً بشدة وإلحاح لا سابق لهما، فيما تزداد بؤر التوتر فيها على نحو لا مثيل له منذ نحو قرن من الزمن. غير أن هذه الرياح التي بدا أنها بكثافتها وسرعتها تعصف بما بقى من عوامل استقرار في الشرق الأوسط، قد لا تكون قادرة على خلق حالة نوعية تؤذن بتحول استراتيجي وتؤدي إلى خريطة جديدة للمنطقة قبل عدة عقود أخرى بخلاف الاعتقاد المتزايد في كثير من الأوساط. فالتحولات الكبرى في العالم لا تحدث بفعل رياح شديدة أو حتى عاتية فقط، بل تتطلب نمطاً معيناً من التفاعل بين هذه الرياح والمنطقة التي تهب عليها بحيث تحدث نتائجها التفكيكية وفق «مقاسات» ملائمة لإعادة رسم الخريطة الإقليمية، كما يصعب حدوث مثل هذه التحولات إلا في نظام عالمي مستعد لها وقادر على استيعابها وهضم تداعياتها، فضلاً عن انسجامها مع مصالح القوى الرئيسية أو الأكثر تأثيراً فيه. ولا يوجد أي من هذين المقومين حالياً. فعلى المستوى الإقليمي، تتسم رياح التغيير بأنها جزئية وليست شاملة ولا تغطي القسم الأعظم في المنطقة، فضلا عن أن قوتها العالية غير ملائمة لخلق وضع يسمح بإعادة رسم الخريطة في الأجزاء التي تهب عليها، الأمر الذي يجعل طاقتها التفكيكية أعلى مما هو مناسب لخلق الحالة التي تؤدي إلى خريطة جديدة قابلة للاستمرار. فمازالت رياح التغيير مرَّكزة في الأجزاء الأكثر هشاشة، والتي لا تمثل معظم بلاد المنطقة أو القسم الأكبر من مساحتها بدون التقليل من الأهمية الخاصة لهبوبها على بلدين رئيسيين من البلاد التي كانت تُعرف بأنها في قلب هذه المنطقة، وهما العراق وسوريا. كما أن تركز هذه الرياح في بعض أجزاء المنطقة فقط جعل طاقتها أعلى من المعدل الذي يُحدث تفكيكاً قابلا للاستمرار وبالتالي إعادة التركيب. فإذا قلّت معدلات الرياح عن هذا المعدل تظل أضعف من أن تُحدث تغييراً، وإذا زادت عنه خلقت في الأغلب الأعم أوضاعاً سائلة على نحو يصعب معه إعادة تركيبها في خريطة جديدة. وربما يجوز القول إن معدل التغيير في هذه الحالة يتجاوز التفكيك إلى التفتيت. وتدل متابعة تطور المعارك الميدانية في سوريا والعراق على صعوبة الاحتفاظ بالمواقع التي ينتزعها أحد الأطراف أو بعضها من غيره طول الوقت. ويظهر ذلك في سوريا بصفة خاصة، حيث أخذ الصراع صورة حرب أهلية متعددة الأطراف. فلا يسّلم أي من هذه الأطراف بسيطرة غيره على منطقة ما إلا في حالات قليلة. ولا يستطيع أي من أطراف الصراع، سواء قوات نظام بشار الأسد أو تنظيم «الدولة الإسلامية» أو جبهة «النصرة» أو «الجيش الحر» أو غيرها، تغيير هذا الواقع الميداني عبر السعي إلى التمركز في منطقة محددة والاستقلال بها. فكلما كثرت أطراف الصراع، أصبح نمط الحرب المتنقلة هو الأرجح. وإذا كان المشهد في العراق يبدو مختلفاً، بسبب تمركز الأطراف الرئيسية للصراع في مناطق محددة ومعروفة، ولأن لأحد هذه الأطراف على الأقل (القوى الكردية) طموحاً انفصالياً واضحاً، يظل التفتت داخل كل من هذه الأطراف أشد من أن يسمح باستقلال أي منها بكيان خاص به. ولنا في الأكراد، الذين وجدت قواتهم مدينة كركوك بين يديها نتيجة انسحاب قوات المالكي المفاجئ وغير المنظم أمام هجوم الميليشيات السُنية، مثلا ينبغي أن نتأمله. فقد توفرت فرصة تاريخية أمام إقليم كردستان للتقدم نحو الانفصال في غياب رادع داخلي ونتيجة تراجع «الفيتو» الإقليمي الأكثر أهمية بعد أن اتجهت تركيا إلى مراجعة موقفها الذي كان قائماً على اعتبار الدولة الكردية خطاً أحمر. غير أن التفكك السياسي والاجتماعي الذي ازداد في كردستان العراقية على مدى نحو ربع قرن، في ظل الاستقلال الذاتي الفعلي تحت غطاء الحظر الجوي منذ عام 1991، ثم تقنين هذا الاستقلال بعد إزاحة نظام صدام حسين، يخلق عائقاً داخلياً أمام الحلم الكردي. فقد تحول التضامن الذي جمع القوى الكردية العراقية في ظل المحن والمذابح إلى تنافس فصراع أخذ يتفاقم في غياب الثقافة اللازمة لإدارة ديمقراطية للصراعات في المنطقة بوجه عام. لذلك صار التقدم نحو الحلم التاريخي ينطوي على مخاطرة لأنه قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام على نحو يُضعف إقليم كردستان مقارنة بوضعه الراهن الذي يعتبر الأفضل على الإطلاق. ولا يخفى أن تفتت القوى السُنية، الذي سمح لتنظيم «الدولة الإسلامية» بتصدر المشهد، ينذر بمعارك قد تكون طاحنة بينها في أي وقت. كما أن وجود هذا التنظيم سيظل عامل تفتيت مستمر لتلك القوى. وقد لا يكون الوضع أفضل كثيراً بالنسبة للقوى الشيعية، لأن تغلغل إيران الذي وصل إلى العمق يمنع تصاعد الخلافات المتزايدة ويفرض سقفاً للصراعات بينها. أما على المستوى الدولي، فليس معتاداً أن يُعاد رسم خرائط إقليمية في غياب تغيرات تحدث في النظام العالمي أيضاً. فقد اقترن رسم الخريطة الحالية للشرق الأوسط بالحرب العالمية الأولى. كما أُعيد رسم خريطة شرق ووسط أوروبا، التي اقترنت بموازين ما بعد الحرب العالمية الثانية، في نهاية الحرب الباردة الدولية. فمن شأن حدوث تحولات في قمة النظام العالمي أن يخلق مصالح جديدة قد يتطلب بعضها مراجعة خريطة منطقة أو أخرى، وعندئذ دعم القوى الصاعدة في هذه التحولات تغييراً يحدث في منطقة ما أو تدفعه في اتجاه معين. ولا تتوفر هذه الحالة الآن في النظام العالمي، الذي لم يهضم بعد تداعيات تغيير خريطة شرق ووسط أوروبا وتفكك الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا وحلف وارسو. فمازال بعض هذه التداعيات مصدراً للتوتر الدولي. وقد لا تكون أوكرانيا هي آخر مصدر لهذا التوتر، فضلاً عن أن أزمتها ليست مرشحة لحل قابل للاستمرار في وقت قريب. وهكذا، وفي غياب المقومين الرئيسيين الإقليمي والعالمي اللازمين لأن تخلق رياح التغيير حالة تؤذن بتحول استراتيجي نحو خريطة جديدة في الشرق الأوسط، فالأرجح أن تبقى الخريطة القائمة لوقت غير قصير بدون أي تغيير رسمي في حدودها التي سيظل بعضها متحركاً في إطار حالة سيولة، إلى أن تتوفر الظروف اللازمة لهذا التغيير.