درج الفلاسفة المثاليون على اعتبار الأخلاق قواعد عامة ومعايير مطلقة للسلوك ترشد الناس إلى ما ينبغي أن يكون. فهي أخلاق معيارية ومبادئ مطلقة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا تتبدل بتبدل الشعوب والأوطان. في حين يرى فريق آخر من الفلاسفة الاجتماعيين أن الأخلاق علم وصفي، يقرر ما هو كائن، ولا يضع ما ينبغي أن يكون. يصف سلوك الناس وبواعثهم على السلوك. وهي مرتبطة بالتقاليد والأعراف والعادات. تتغير بتغير المجتمعات، وتتعدد بتعدد الأزمان. بل وتختلف في المجتمع الواحد من طبقة إلى أخرى بل ومن فرد إلى آخر داخل الطبقة الواحدة.
لذلك استعمل لفظ "أخلاقيات" في صيغة الجمع ليشير إلى عديد من أنماط السلوك الأخلاقي الاجتماعي. ولا يوجد فصل بين فكر الطبقة المتوسطة وقيمها وسلوكها. فالأخلاق نظر وعمل، فكر وسلوك، قيمة وممارسة.
ويصعب تحديد الطبقة المتوسطة. بل تحدد نسبيا في علاقتها بالطبقة العليا والطبقة الدنيا. تحديدها بالسلب أي ما ليس طبقة عليا أو طبقة دنيا. ولا توجد حدود فاصلة بين الطبقات الثلاث. حدودها ليست كمية بل كيفية، ليس بالدخل وأسلوب المعيشة والتعليم بل بأنماط السلوك التي تعبر عن وضع نفسي اجتماعي. لا تنتهي الطبقة المتوسطة في أي مجتمع بل تضيق أو تتسع طبقا لتوزيع الدخل. تضيق إذا كان التفاوت بين الأغنياء والفقراء شاسعا. وتتسع إذا ما جمعت بين غني الأغنياء وفقر الفقراء. تضيق في مجتمع الإقطاع، وتتسع في المجتمع الليبرالي.
ولا توجد حتمية تفرض فيها الطبقة سلوكها على الأفراد نظرا للتميز الشهير بين الطبقة والوعي الطبقي. فقد يسلك بعض الأغنياء الجدد سلوك الطبقة الدنيا التي ترسبت في اللاوعي الطبقي. وقد يسلكون طبقا لسلوك الطبقة الوسطى نظرا لما حصلوا عليه من بعض مظاهر السلطة الاجتماعية. وقد يسلكون سلوك الطبقة العليا في مظاهر الثراء. وقد يسلك بعض أفراد الطبقة العليا سلوك الطبقة الوسطى، أداة التحديث وبناء الدولة. وقد ينضم إلى الطبقة الدنيا دفاعا عن مصالحها، وانتماء لمطالبها، وتحقيقا لحاجاتها. وقد ينتمي بعض أفراد الطبقة الوسطى إلى الطبقة العليا لمزيد من الرقي الاجتماعي والثراء. وقد ينتمي إلى الطبقة الدنيا لأنه خرج منها ومازال يحن إليها. فالطبقة المتوسطة في حراك اجتماعي دائما إلى أعلى وإلى أدنى مثل كل الطبقات الاجتماعية.
وأخلاقيات الطبقة قضية رئيسية في مصر المعاصرة. برزت كسلوك في الحياة اليومية في مظاهر الثراء للطبقة العليا في الأفراح والقصور والفيلات ومظاهر الاستهلاك، وما يصاحب ذلك من تهريب الأموال والتلاعب بالأسواق. كما برزت في سلوك الطبقة المتوسطة في التشبه بالطبقة العليا واستعمال السلطة السياسية للإثراء. كما تبرز في سلوك الطبقة الدنيا باقتناء بعض وسائل الترفيه الحديثة كالتلفزيون والراديو الكبير والثراء السريع من خلال الأعمال اليدوية.
وأفضل منهج للدراسة هو المنهج الوصفي وهو المنهج "الظاهراتي" أي وصف التجارب الحية التي تكمن وراء السلوك الاجتماعي بعيدا عن النظريات الاجتماعية والإحصائيات الكمية، وتنظيرا مباشرا للواقع، وتحليل التجارب الحية التي يعيشها العالم- المواطن، جمعا بين هموم الفكر وهموم الوطن.
لم تكن هناك طبقة متوسطة في تاريخ مصر الحديث. كان هناك الأشراف والعلماء ورجال الدين وكبار التجار والأمراء من ناحية. والحرفيون وصغار التجار والباعة الذين غنى لهم سيد درويش وكتب لهم بيرم التونسي أزجاله من ناحية أخرى. وسادت دولة محمد علي هذه الثنائية الحادة بين الحكام الأتراك وممثلي الدول الأجنبية من جانب والفلاحين من جانب آخر بعد أن قضى على المماليك. وفي النصف الأول من القرن العشرين ساد الإقطاع، مجتمع النصف في المائة. وتحكم كبار الملاك في الثروة والحكم في مقابل المعدمين من الفلاحين. ولم تكن طبقة العمال قد ظهرت بعد لقلة التصنيع.
وبعد ثورة 1952 بدأت الطبقة المتوسطة في الاتساع من صغار الملاك في الريف وموظفي الشركات الأجنبية بعد التأميم والتمصير وكبار موظفي القطاع العام وضباط الجيش ورجال الحزب والدولة. وتضخمت شيئا فشيئا بدخول الرأسمالية الوطنية وتجار الجملة وقطاع المقاولات مما دفع إلى إصدار قوانين إصلاح زراعي ثانية وثالثة وقوانين يوليو الاشتراكية في 1962-1963. ورفع شعار تذويب الفوارق بين الطبقات، والعدالة الاجتماعية والمساواة، وتكافؤ الفرص، وعدم تفاوت الدخول بأكثر
من واحد إلى عشرة ، ومضاعفة الدخل القومي كل عشر سنوات مرة. واعتبرت الطبقة المتوسطة القيادة السياسية والعسكرية هي المسئولة عن هزيمة 1967 بعد أن ترهلت. وكانت أولوياتها الدفاع عن النظام قبل الدفاع عن الوطن. وبيان 30 مارس 1968 هو نقد لها، وورقة أكتوبر 1974 بداية جديدة لها.
وفي الجمهورية الثانية اتسع نطاقها بعد الانفتاح الاقتصادي، وقوانين الاستثمار، وازدهار القطاع الخاص، وحرية البنوك في التداول بالعملات الأجنبية، وتعويم العملة المحلية، والمضاربة في العقارات، ووسائل الإثراء السريع، والتهرب الضريبي.