هاموند: دبلوماسية انتخابية وشكوك حيال بروكسيل! من حيث انتهى سلفه ويليام هيج، بدأ وزير الخارجية البريطاني الجديد فيليب هاموند، الذي وجد نفسه وجهاً لوجه أمام أزمات الشرق الأوسط. فبينما أثنى هيج في آخر تصريح له على قرار مجلس الأمن الدولي بشأن السماح بوصول المساعدات للاجئين السوريين، واجه هاموند تنصيب الرئيس السوري بشار الأسد لولاية ثالثة بتصريح قال فيه إن ذلك «يمثل استهزاءً بالديمقراطية ولا يعكس إرادة الشعب السوري». أما الملف الساخن الثاني على مكتب وزير الخارجية الجديد فكان التطورات الدامية في غزة؛ ففي أول تصريح له بهذا الشأن عقب دخوله مكتبه قادماً من وزارة الدفاع، رحب هاموند بالمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، ودعا «جميع الفصائل الفلسطينية المسلحة لوقف إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل». وكان هيج قد دعا قبيل مغادرته منصبه إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة للعمل بموجب اتفاق الهدنة الموقع بين إسرائيل و«حماس» في نوفمبر 2012. لكن من هو وزير الخارجية البريطاني الجديد؟ وهل يتمتع بخبرات دبلوماسية كافية لإثبات حضور بلاده في ملفات ساخنة؛ من قبيل الحرب الأهلية في سوريا، والحرب الإسرائيلية على غزة؟ فيليب هاموند سياسي من حزب المحافظين البريطاني، كان نائباً في مجلس العموم ثم أصبح وزيراً للنقل في حكومة رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون، قبل أن يصبح وزيراً للدفاع، ثم وزيراً للخارجية بموجب التعديل الوزاري الذي أُعلن عنه يوم الثلاثاء الماضي. ولد فيليب هاموند في مدينة البينج بمقاطعة إسكس الواقعة في شرق إنجلترا، عام 1955، لوالده الذي كان يعمل مهندساً مدنياً. وفي مدرسة بروكفيلد بالبينج، تلقى فيليب تعليمه الابتدائي، أما الثانوي فتلقاه في مدرسة شانفيدلد بمدينة برينتوود في إسكس. ثم التحق بجامعة أكسفورد، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصادية، فانضم إلى شركة المعدات الطبية والمختبرات «سبيوود» في عام 1977، وأصبح مديرها في عام 1981، وكان من إنجازاتها البارزة في عهده تصميم جهاز متطور لتخطيط القلب، لكنه غادرها في عام 1983، ليصبح في العام التالي أحد مديري شركة «كاستليميد»، المحدودة، وفي الفترة بين عامي 1993 و1995 كان شريكاً في «سي ام اي. الاستشاريون»، حيث أنجز العديد من المصالح التجارية، بما في ذلك بناء المنازل وإدارة الممتلكات، وتطوير التصنيع، وخدمات الرعاية الصحية، وخدمات النفط والغاز. واطلع بمهام استشارية لصالح البنك الدولي في أميركا اللاتينية، كما كان مستشاراً لحكومة ملاوي من عام 1995 وحتى انتخابه عضواً في البرلمان البريطاني لأول مرة في عام 1997. وفي البرلمان عمل هاموند في عدة لجان معنية بالبيئة والنقل والتخطيط.. كما أصبح متحدثاً باسم حكومة الظل برئاسة مايكل هوارد في عام 1998 خلفاً لويليام هيج، ثم وزيراً للتجارة والصناعة في الحكومة ذاتها خلفاً لايان دنكان سميث في عام 2001. وفي أعقاب الانتخابات العامة لسنة 2005 أصبح وزيراً للخزانة في حكومة الظل الجديدة برئاسة ديفيد كاميرون، لكن تعديلا أجرى على هذه «الحكومة»، في وقت لاحق من ذلك العام، أصبح بموجبه هاموند وزيراً للعمل والمعاشات. ولما استعاد المحافظون أغلبيتهم البرلمانية بعد سنوات من المعارضة، وشكل كاميرون الحكومة الائتلافية في مايو 2010، أصبح هاموند وزيراً للنقل فيها. وخلال توليه ذلك المنصب عمل على رفع الحد الأقصى للسرعة على الطرق السريعة من 70 ميلا إلى 80 ميلا في الساعة. لكن بموجب تعديل وزاري أجراه كاميرون في أكتوبر 2011، تولى هاموند حقيبة الدفاع خلفاً لليام فوكس، فأعلن بعد شهرين من توليه منصبه الجديد السماح للمرأة بالعمل في غواصات البحرية الملكية، لتصبح ضابطات من أول العاملين في الغواصات الجديدة من طراز «فانجارد» في أواخر عام 2013. كما أعلن أن تكلفة التدخل العسكري الجوي البريطاني في ليبيا لم تتجاوز 212 مليون جنيه استرليني، مقارنة بالتكلفة التي توقعتها الوزارة لدى بدأ العمليات في صيف عام 2011، وهي 260 مليون جنيه استرليني. وفي ذلك الوقت أعلن أيضاً إلغاء 4.200 وظيفة في مختلف أفرع القوات المسلحة الملكية، بهدف تقليص الفجوة في الميزانية العسكرية، والبالغة 38 مليار جنيه استرليني. وقال إن الحكومة «لا خيار أمامها سوى خفض حجم القوات المسلحة لإعادة تشكليها على نحو يجعلها قوات رشيقة وفعالة وقابلة للتكيف». ثم أعلن في أغسطس 2012 تخفيضاً آخر بنسبة الربع في المناصب العليا داخل الوزارة، سعياً لتضييق «الثقب الأسود» في الميزانية الدفاعية. وقبل ذلك كان هاموند قد أعلن في فبراير 2012 أن جزر فوكلاند لا تواجه «تهديداً عسكرياً جدياً في الوقت الحالي» من جانب الأرجنتين، وقال أمام مجلس العموم إن بريطانيا ليست لديها «رغبة أو نية لزيادة التوتر» هناك، ومع ذلك فهي ملتزمة بالدفاع عن حق سكان الجزر في تقرير المصير، كما أشار إلى خطط لتعزيز القوات البرية والبحرية والجوية هناك، منعاً لأي تهديد. وقبيل دورة الألعاب الأولمبية لعام 2012 في لندن، أعلنت الشركة المكلفة بتأمين الألعاب، عجزها عن توفير العدد الكافي من موظفي الأمن، فبادر هاموند إلى الدفع بخمسة آلاف من أفراد القوات المسلحة لتعويض العجز، هو موقف حظي بالثناء على نطاق واسع. وفي خطوة تبدو استعداداً للانتخابات العامة المقبلة، أعلن كاميرون الثلاثاء الماضي عن تعديل كبير شمل 12 حقيبة في تشكيل فريقه الحكومي، أبرزها حقيبة الخارجية والدفاع، فيما يعد تقليداً اعتاد عليه البريطانيون مع اقتراب الانتخابات العامة، إذ دأب رؤساء الحكومات البريطانية على إبعاد الوزراء ذوي الشعبية المتدنية وضم شخصيات سياسية ذات شعبية عالية. وفي هذا الإطار أراد كاميرون ضم وجوة جديدة ونساء إلى حكومته، بما يدعم موقفه من مسألة عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، لاسيما في ظل الضغوط التي يتعرض لها المحافظون من جانب «حزب الاستقلال» البريطاني الصاعد.. فاختار لحقيبة الخارجية هاموند المعروف بمواقفه المتشددة تجاه أوروبا. وقد أبرزت الصحف البريطانية الشكوك القوية لدى هاموند حيال مشروع الوحدة الأوروبية، وتأكيده ضرورة حصول بريطانيا على «صفقة» لإصلاح الاتحاد، وأنه شخصياً سيصوت لصالح خروجها منه، ما لم تكن هناك تغييرات جدية في العلاقة. وإن لم يكن الهمُّ الأول لهاموند إيجاد سياسة خارجية أوروبية موحدة حيال القضايا الساخنة في الشرق الأوسط، من فلسطين إلى العراق فسوريا، ففي المحصلة لا يوجد تضارب جوهري في المواقف بين لندن وبروكسل حيال هذه القضايا! محمد ولد المنى