تواجه دول الاعتدال العربية، وهي مصر والأردن والمغرب ودول الخليج العربية، معضلة جديدة تتمثّل في ازدياد التطرف والعنف والإرهاب بين شريحة الشباب، خصوصاً بعد الأحداث الدموية المؤسفة في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان وغيرها.. كما أن الاعتداء الصهيوني الغاشم على غزّة وجرائم القتل والتشريد والتدمير هناك، تضع هذه الدول في موقف حرج حيال شعوبها وتجاه الرأي العام العربي الغاضب من عدم التحرك لإنقاذ الفلسطينيين. دول الاعتدال العربي ترفض العنف والقتل والتطرف من جانب الجماعات الجهادية الدينية، مثل «القاعدة» و«داعش» و«النصرة» و«حزب الله».. لأنها جماعات تحمل أفكاراً متعصبة ولا تؤمن بالحوار ولغة العقل، وكل همها هو القتل والتخريب ضد كل ما هو حضاري وإنساني. فهؤلاء التكفيريون الجهاديون أساؤوا للإسلام والمسلمين وشوهوا صورته في كل أرجاء المعمورة. والسؤال هو: كيف يمكن التعامل مع هذه الجماعات المتطرفة، خصوصاً وأن الشباب العربي أصبح وقوداً لها؟ وهل يكفي أن تتخذ دول الاعتدال مواقفها المعروفة بإطلاق بيانات الإدانة والرفض واتخاذ خطوات أمنية احترازية وتوجيه أئمة المساجد لإبراز الوجه الحضاري للإسلام؟ رغم اعتدال هذه الدول ومواقفها الواضحة ضد الإرهاب والإرهابيين، فإن قطاعاً من شبابها ينخرطون في العمل الجهادي، في كل من سوريا والعراق واليمن، وربما ليبيا مستقبلا. فلماذا لا يلتزم هؤلاء الشباب بفكر حكوماتهم؟ هنالك أسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.. لكن يمكن القول إن دول الخليج العربية ركزت أكثر من اللازم على البعد الأمني للإرهاب، وأهملت البعد الثقافي في محاربته.. ونقصد التعليم والإعلام والمساجد، وإهمال الفن والموسيقى والمسرح والسينما والفنون بكل أبعادها. لذلك أصبحت بلداننا حاضنة طبيعية للتطرف والإرهاب! هل يعقل أن تجد شباباً مرفهاً يعيش في دول نفطية غنية توفر له كل وسائل الراحة، فيذهب للجهاد في سوريا والعراق واليمن؟ إنهم يتوهمون بأن دولة «داعش» هي الخلافة القادمة، وأن على شباب العرب والخليج التوجه إليها لنصرة العمل الإسلامي! وغاب عن نظرهم المتطرف هجرة ورحيل أكثر من مليون عراقي وسوري بعيداً عن دولة «داعش» الإرهابية، بحثاً عن الأمن والأمان! كيف يمكن معالجة هذه الإشكالية؟ إحصائيات عديدة تشير إلى انخراط الشباب المغربي في العمل الجهادي؛ فوزير الداخلية المغربي صرح لجريدة «الشرق الأوسط» (الأربعاء 16 يوليو 2014) بأنه يوجد 1122 جهاديا مغربيا في سوريا، وقدّر عددَ من ذهبوا من أوروبا للقتال في سوريا والعراق بما بين 1500 و2000 مقاتل، وأكد أن أكثر من 200 جهادي قتلوا هناك. هل لدى دول الخليج إحصائيات وأرقام عن عدد الجهاديين في دول الاضطراب العربي؟ الأرقام التي نشرتها الصحافة الغربية تشير إلى وجود أكثر من 20.000 جهادي سعودي و700 جهادي كويتي في كل من سوريا والعراق. ما هو مستقبل منطقتنا إذا تمزَّق العراق؟ كل التقارير تتوقع حروباً أهلية في العراق، ومرحلةً مضطربةً في الوطن العربي كله. دول الجوار العربي، وهي تركيا وإيران وإسرائيل، بدأت تتحكم بمصيرنا؛ فتركيا تؤيد استقلال الأكراد وتدعم «الإخوان المسلمين»، وإيران تدعم «حماس» في غزّة، وأصبح لها نفوذ قوي في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. أما استمرار إسرائيل في حربها التوسعية فيعني نهاية الدولة الفلسطينية والحلول السلمية، ودخول المنطقة كلها في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.