مرة جديدة تشن إسرائيل حرباً على الشعب الفلسطيني في غزة، امتدت نيرانها إلى الضفة، ولكن التركيز هو على القطاع.العنوان: استهداف حركة «حماس» بذريعة أنها المسؤولة عن خطف وقتل ثلاثة شبان مستوطنين في الضفة. ولكن الحرب هي على كل الشعب الفلسطيني كما قال الرئيس محمود عباس. والحرب جاءت بعد الإعلان عن خطف الطفل محمد أبو خضير ثم الإعلان عن مقتله بعد إحراقه حياً على يد مستوطنين إسرائيليين. وكأن على الشعب الفلسطيني أن يتعرض لحملة إبادة جماعية سواء قام أحد من صفوفه بارتكاب عمل ضد إسرائيلي أو قام إسرائيلي بارتكاب عمل ضد فلسطيني! المستهدف هو الشعب الفلسطيني. علماً بأن السلطة الفلسطينية ذهبت إلى أبعد الحدود في رفضها قتل الشبان الإسرائيليين بعد خطفهم. وتحمّل «أبو مازن» انتقادات هائلة. وأبدى حرصه على التعاون. وحركة «حماس» نفت مسؤوليتها عن العملية. وتضامن كل العالم مع إسرائيل وحكومتها وإرهابييها. أما في مسألة حرق الطفل أبو خضير فعلى رغم الاستنكار من قبل بعض الإسرائيليين، فالموقف لم يكن بمستوى الجريمة لا إسرائيلياً ولا دولياً ولا عربياً. بل تم التعاطي الدولي معها انطلاقاً من التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها! وكانت مؤشرات على قيام انتفاضة ثالثة لكن على ما يبدو الظروف لم تكن مهيأة لها، فلسطينياً، وسياسياً، ولأسباب داخلية وعربية، ولكن ذلك لا يعني أنها قد لا تقع في أي لحظة إذا ما استمرت إسرائيل في جرائمها. إذن، الاستهداف هو للشعب الفلسطيني كله. والعملية الإرهابية «الجرف الصامد» جاءت لتجرف المنازل والمؤسسات والمناطق. والمصالحة الفلسطينية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية رغم إعلان الرئيس محمود عباس أنها حكومته، و«حماس» ليست فيها وستلتزم برنامجه، القائم على أساس المبادئ المعلنة للتفاوض مع الإسرائيليين وهو يتحمل المسؤولية، منذ اللحظة الأولى للمصالحة أكد الإسرائيليون رفضهم لها. ضغطوا على الأميركيين لرفضها ولعدم التعاون مع الحكومة ولم يتوقف ضغطهم. لا يريدون أي شكل من أشكال التعاون مع «حماس» من قبل السلطة. لا يريدون تفاهماً فلسطينياً ولا يتحملونه. ولا يريدون بالتأكيد تفاهماً فلسطينياً إسرائيلياً. يريدون اقتتالاً فلسطينياً- فلسطينياً، وحرباً، جرفاً صامداً إسرائيلياً ضد الفلسطينيين! وما على الفلسطينيين إلا القبول والركوع طبعاً. استفاد الإسرائيليون من التوقيت. دعوات إلى «مواجهة الإرهاب» و«حماس» مصنفة حركة إرهابية أميركياً وإسرائيلياً! وإسرائيل تريد من الأساس استغلال كل ما يجري في العالم العربي لتبرير عدوانها وفرض شروطها، تحت عنوان الضمانات الدائمة لأمنها الاستراتيجي التي لا يوفرها إلا الجيش الإسرائيلي! عن طريق إخضاع الشعب الفلسطيني. وفي التوقيت أيضاً المفاوضات النووية الإيرانية الغربية. وإيران متهمة بدعم «حماس» وغيرها واللعب في «الداخل» وإسرائيل تريد تأخير الاتفاق النووي وقبض الثمن مسبقاً في حال كان لابد من توقيع اتفاق ما في النهاية. في أجواء هذا «البازار»، يأتي الواقع العربي السيئ. حروب في كل مكان. العراق على طريق التقسيم. ليبيا كذلك. القضية الفلسطينية في آخر الاهتمامات. وفي كل دولة، قضية تتفرع منها قضايا والأولويات لم تعد كما كانت. ومصر الجديدة لها مشاكل كثيرة مع القطاع ومع «حماس» لارتباط ما جرى في القاهرة أيام مرسي وما يجري في سيناء بدور «حماس»، كما يؤكد المصريون الذين يعطون الأولوية «لأمنهم القومي»! شنت إسرائيل الحرب. وقف العالم معها لتأكيد «حقها في الدفاع عن نفسها» من فرنسا إلى ألمانيا إلى أميركا إلى أوروبا عموماً والأمم المتحدة. والفلسطينيون متروكون. ماذا ستكون النتيجة؟ قتل مئات وسقوط آلاف الجرحى؟ حصار؟ تجويع؟ تدمير واسع؟ قتل رموز لادعاء انتصار؟ هذا ممكن. هذا مؤلم جداً. ومكلف جداً. ولكن دعونا نتحدث في السياسة: إلى أين يمكن أن يؤدي في السياسة؟ في النهاية سيكون حل سياسي وسيكون مع «حماس». ولن تتمكن إسرائيل من إلغاء الشعب الفلسطيني وحقه مهما طال الزمن. لو كان الوضع العربي عموماً على غير ما هو عليه، لما تمكنت من تحقيق شيء من أهدافها ولكن منذ عام 1948 والشعب الفلسطيني يقاوم ويدفع الثمن. ولا يرى أمامه إلا خيار الدفاع عن النفس. يولد الفلسطيني وقدره معروف. شعب يتعرض للإبادة والحروب وكل أشكال الإرهاب ولا تزال قضيته حية وإرادته قوية. هلاّ سأل الإسرائيليون أنفسهم من أين وكيف جاء الفلسطينيون بكل هذا السلاح إلى قطاع غزة المحاصر؟ صحيح أنه لم يحقق نتائج مؤلمة موجعة ضد الإسرائيليين بشرياً ومادياً، ولكن معنوياً وسياسياً أربك القيادة التي اضطرت إلى دخول الملاجئ. ومثل ملايين الإسرائيليين فوجئ العالم بقدرة الفلسطينيين على إطلاق صواريخ على مناطق محتلة بعيدة. لم تتمكن القبة الحديدية من إسقاط إلا القليل منها فتبين أنها «قبة مثقوبة»، حتى أن أحد الخبراء الإسرائيليين قال: «ما كنا نراه ونسمعه في الجو من انفجارات لم يكن نتيجة ضرب الصواريخ الفلسطينية بل نتيجة ارتطام صواريخ القبة ببعضها أو انفجار بعضها الآخر في الجو! إنها فضيحة». ثم تبين أن ثمة طائرات من دون طيار موجودة في القطاع! من أين جاء كل هذا السلاح؟ لم يكن موجوداً قبل سنوات. والذي تمكن من امتلاكه اليوم سيتمكن من امتلاك غيره غداً لأنه يملك الإرادة ولن يقوى أحد على منعه مع كل التطور التكنولوجي. والحل السياسي لهذه الحرب هو الذي سيفرض نفسه. ولا يمكن تجاوز الطرف الفلسطيني فيه. وأياً تكن الصفقات المعقودة والتي ستعقد في سياق «البازار» الكبير، بين العرب وأميركا، بين بعضهم وإسرائيل، بين إيران والغرب، وسيكون لإسرائيل الدور والثمن، فإن أحداً لن يتمكن من تجاوز الحق الفلسطيني. و«القبة الحديدية» لحماية إسرائيل تبدو مثقوبة. وستندفع إسرائيل في خطواتها وستستفيد من التفتيت الذي يعيشه العالم العربي و«الإرهاب» المتنقل والاقتتال الداخلي لتبرر منطقها وسياساتها وتحمي نفسها. ومع ذلك لن يكون أمن ولا استقرار إذا لم يعط الفلسطينيون حقهم في إقامة دولتهم على أرضهم. ستأخذ العملية مزيداً من الوقت. وستكون التكلفة مرتفعة. ولكن الحق الفلسطيني لن يموت... في الفوضى لن تسلم إسرائيل. ولن يسلم الغرب ولن تسلم أوروبا ولا دول الشرق أيضاً! فالفوضى ليست مجالاً محصوراً أو محتكراً أو مخصصاً لفريق دون آخر!