هناك عناصر عدة حالت دون أن تواصل البذرة التي غرسها الإمام محمد عبده نموها وترعرعها، فتفتح نوافذ التصور الديني على المنتج الفكري لـ«الآخر»، فتكرر التجربة الفريدة التي حدثت في عصر الخليفة العباسي المأمون لتنتهي الأمور إلى ما آلت عليه، حيث يعلو صراخ التطرف على صوت الاعتدال، وتجنح الرؤية إلى التعصب دون التسامح، ويركن الفهم إلى الجمود دون التجدد، وتلتفت الأعناق إلى الوراء، فلا ترى ما تحت الأقدام ولا ما يرنو في البعيد. ويمكن إجمال هذه العناصر في النقاط التالية: أ- الخبرة السيئة للاستعمار: فسلوك الاستعمار الفرنسي والإنجليزي في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية رشح بقوة على ما وراء الحملات العسكرية، التي قبضت على القُطر المصري، من حضارة فكرية وعلمية، بل طغى عليه، فلم يعد المصريون، ينظرون إلى الأجانب الجاثمين على أرضهم إلا من منظور «الحروب الصليبية»، و«الاستغلال» أو «فائض القيمة التاريخي»، وبعد الاستقلال بدا بعض الغرب في نظر أتباع «الحركة الإسلامية المصرية» هو السند القوي للنظام «العلماني» في مصر. ولأن الإسلام كان في طليعة المقاومة دوماً، حتى في الأوقات التي كانت النخبة الليبرالية المصرية فيها أيام ثورة 1919 تأخذ على عاتقها التفاوض من أجل الاستقلال، فإن إمكانية التعامل مع «الأفكار الليبرالية» الغربية على محمل «التلاقح الحضاري» أو حتى حسب منطق «بضاعتنا ردت إلينا»، كانت تجد أمامها حواجز وعوائق، من الصعب النفاذ منها أو تخطيها بيسر وسهولة. وانطبع هذا التصور فيما بعد على أدبيات «الحركة الإسلامية المصرية» في مرحلة ما بعد الاستقلال، إذ نظرت إلى الغرب على أنه «كافر» و«استعماري» و«دار حرب» يجب «الجهاد» كي تتحول على «دار إسلام». ثم نظرت هذه الحركة بعين الريبة إلى كل ما يرد من الغرب حتى لو كان في حقل الأفكار والمعارف، خصوصاً الإنسانيات. وبدا لها أن إنتاج معادل للتجربة السياسية الغربية، في اصطلاحاتها وإجراءاتها، أمر في غاية الضرورة. ومن ثم حفلت كتابات الرعيل الأول من «الجماعة الإسلامية» و«تنظيم الجهاد» ومن قبلهما «الإخوان المسلمون» بحديث عن «الشورى» لا «الديمقراطية» و«البيعة» بدلاَ من «الانتخاب» و«مجالس الشورى» وليس «البرلمانات»، و«الأمة» لا «الدولة» و«الخلافة» لا «الإمبراطورية».. الخ. ولم يقف الأمر عند حدود المصطلحات والمفاهيم العامة، بل امتد إلى الإجراءات العملية، في محاولة عاجزة لإنتاج بديل سياسي ينهض بواقع مغاير، لذلك الذي كان عليه المسلمون الأوائل، الذين أفرزوا تجربة سياسية ناضجة، جديرة بالاحترام، قياساً إلى عصرهم، وما كانت عليه الأمم والإمبراطوريات التي عاصرتهم. ب ـ إجهاد ما بعد الاستقلال: فإزاحة الاستعمار الإنجليزي لم ترتب لـ«الحركة الإسلامية المصرية» وضعاً أكثر أمناً وانفتاحاً، بل حدث العكس، ففي ظل الصراع على السلطة عقب الاستقلال مباشرة، وجدت هذه الحركة متهمة بالخيانة، و«التطرف» ثم «الإرهاب» الذي وصمت به عشرات الجماعات التي خرج بعضها من عباءة «الإخوان» ونشأ بعضها ليضارعها وينافسها، والبعض الثالث أفرزته بيئة خاصة بعيداً تماماً عن تأثير «الإخوان». وهذا الوضع المتأزم، جعل خطاب هذه الحركة بشتى جماعاتها وتنظيماتها متأزماً أيضاً، رافضاً للحوار، ومتشككاً في نوايا النظام الحاكم. وفي ظل هذا التربص والالتباس، لم يتوفر المناخ الذي يسمح للجماعات الإسلامية المصرية بأن تطور خطابها الفكري والسياسي، نحو أي توجه «ليبرالي» أو غيره. ج- إخفاق الليبراليين المصريين: فمحاولاتهم لم تجد طريقاً إلى النجاح الصريح، الذي يؤسس حتى لو أزاحته حركة سياسية عابرة أو عارضة أو ذات شرعية قانونية وسياسية في إطار التعددية وتداول السلطة تياراً اجتماعياً قوياً يحمل رايته، ويدافع عن أفكاره، ويجهد من أجل الوصول إلى سدة الحكم، أو حتى التسيد الاجتماعي الناصع. وانتهت الليبرالية المصرية، تحت وطأة الشمولية، إلى بعض أفكار يهمس بها أناس معتكفون في أبراجهم العاجية، ينتج بعضهم أفكاراً، لا تجد صدى سوى لدى قلة محدودة. وهذا بالطبع أثر سلباً على تصورات «الحركة الإسلامية المصرية»، التي رأى أتباعها، أن التيار الليبرالي أفلس في تقديم حل ناجع للمشكلات التي يواجهها المجتمع المصري، ومن ثم فليس هو الأحق بالحصول على ثقة الجماهير وتأييدها، ولا تستحق أفكاره الالتفات إليها، لأنها مخفقة مبتسرة، تحاول أن تستعير تجارب مجتمعات مغايرة لتطبقها في مصر. وطالما حفلت أدبيات «الحركة الإسلامية»، بمختلف أطيافها، بمثل هذه الاتهامات، سواء في وثائق هذه الحركة وكتبها الأولية، أو على صفحات الجرائد والمجلات التي تنطق باسمها أو تتعاطف معها، ناهيك عن مئات الكتب، التي هاجمت أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وتوفيق الحكيم وطه حسين وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمد سعيد العشماوي وسعيد النجار.. الخ. لكن النجار وغيره من الليبراليين، لم يشتبكوا في حوار حقيقي مع «الإسلاميين»، بل حدث العكس، إذ مال أغلبهم إلى جانب السلطة في حربها ضد المتطرفين، طمعاً في أن تدرك الأخيرة أن غياب الديمقراطية هو السبب الأول في انتشار العنف، ولكن الأخيرة تجاهلت هذه الإشارة، وسارت في الاتجاه المضاد، عبر التمسك بالقوانين الاستثنائية، وادعاء أن الديمقراطية ستقود إلى اختطاف المتطرفين للسلطة، وانقلابهم على الآليات الديمقراطية. ح- ضعف نفوذ «مجددي» الرؤية الإسلامية في مصر: فأغلب ما تركه هؤلاء وما لا يزالون يواصلون إنتاجه يفتقد إلى الأصالة، ولا يعدو كونه محاولات تلفيقية ترمي، قسراً، إلى التوفيق بين الخصوصية المجتمعية الإسلامية المصرية والمنتج الحضاري الغربي بتجلياته المغايرة. وعلاوة على ذلك فإن أغلب من يتصدون لتجديد الرؤية الإسلامية ليسوا أهلاً لهذا، فإما أنهم مطالعون لما جاد به التراث الإسلامي، حافظون للنص الأصلي وتفسيراته دون أن يمتلكوا الإلمام بمجريات الواقع المعيش. وإما العكس، أي واعون بالوقائع والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة دون أن يكون لديهم إلمام كاف بأصول الإسلام وجذوره. د- التسلف: فالرؤية الدينية المصرية تأثرت، شكلاً ومضموناً، بالمنتج الديني الذي وفد إليها، ومع أنه قد يصلح لمجتمعاته ويتماس مع تقاليدها، لكنه يبدو غريباً، إلى حد ما، عن المجتمع المصري بوجهه الحضري والحضاري. وقديماً كان الشافعي يفتي في العراق بغير ما يفتي به في صحراء العرب ومصر، إذ راعى الظروف المجتمعية، ولم يجهد نفسه في مناطحتها، استرشاداً بالتجربة الإسلامية الأولى التي أبقت على الإيجابيات التي كانت سائدة في مجتمع الجاهلية، ولم تناقضها، بل طوعتها لتتماشى مع عقيدة التوحيد. ولكن الوفورات المالية بفعل طفرات النفط المتتالية كرست بعض إمكاناتها في سبيل الترويج لتصور بعينه للإسلام، في جانبه السلوكي والتعبدي والمظهري. ومع هجرة العمالة المصرية بانتظام، وقدرة رأس المال على أن يخترق السوق الثقافية المصرية ببرامج دينية سلفية، عزز من التوجهات السلفية، ونال من الرؤى التجديدية، بوجهها المتسامح.