خلافاً لما يقوله المتشائمون، فإن اجتياح تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) المفاجئ لشمال العراق، ليس من الضروري أن ينتهي بإعادة رسم حدود الشرق الأوسط. فتلك ستكون مصيبة. وعلى الولايات المتحدة أن تبذل ما بوسعها لتجنب ذلك، علماً بأننا نستطيع تجنبه بالفعل، إذا كانت الدبلوماسية الأميركية هي الأداة الرئيسية وليس التدخل العسكري. أجل، إن الولايات المتحدة قد تحتاج لضربات جوية جراحية لمساعدة العراق على وقف تقدم هذا التنظيم المتطرف. غير أنه لا يمكن سحب العراق كلياً من حافة الهاوية إلا إذا وافقت الأطراف المتناحرة على تقاسم السلطة تحت دستور جديد. وذلك لن يحدث إلا إذا قام الدبلوماسيون الأميركيون بإعادة الانخراط في المنطقة كوسطاء بين زعماء الطوائف. لقد أصبح الانقسام الشيعي السني أوسع من أن يقوم العراقيون بتسوية خلافاتهم بأنفسهم؛ كما أن جيران العراق ليسوا في وضع يسمح لهم بأن يكونوا وسطاء نزهاء؛ حيث تقف إيران بقوة وراء شيعة العراق، بينما تتعاطف السعودية وتركيا مع السنّة. وبالتالي، فإن الأميركيين وحدهم قادرون على جمع المعنيين من أجل وقف القتال. وعندما نضطلع بذلك الدور، فإن تعاون القوى الإقليمية الثلاث لن يكون مفيداً فحسب بل أساسي. ثم إن ذلك سيكون في مصلحتنا تماماً؛ ذلك أن «داعش» أقامت منطقة سنية واسعة، من حلب على الحدود السورية مع تركيا إلى سامراء عميقاً وسط العراق، باتت تهدد بإعادة رسم خريطتي البلدين عبر خلق منطقة سنية فقيرة يحيط بها البر من جميع الجهات ستطمع في ثروات جيرانها وستكون أرضية خصبة للتطرف. منطقة يمكن أن تتوسع لتشمل أجزاء من أراضي الجيران، ثم تسعى لاحقاً لإبراز نفوذها وتأثيرها عبر العالم السني، من إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. في سوريا والعراق، بدأت حركة التمرد باحتجاجات ضد السياسات المناوئة للسنة من قبل حكومتين طائفيتين. والآن ربما أخذت تبلغ ذروتها؛ فـ«داعش» من المستبعد أن تسيطر على دمشق أو بغداد؛ كما أن نبرتها الطائفية المتطرفة وسجلها الحافل بأعمال العنف أخذا يثيران رد فعل مماثل بين العلويين والمسيحيين والشيعة، بل وحتى بين السنة الذين كانوا معجبين في السابق بقتالها ضد بشار الأسد. ومع ذلك، فإنه لا يمكن التنبؤ بمدى قوة «داعش». لذلك، فمن المهم جدا أن يبقى العراق وسوريا سليمين والحفاظ على مناطقهما السنية. ولنتأمل هنا التحديات الكامنة: دولتان فاشلتان تسكنهما طوائف ومجموعات عرقية متناحرة، وتحكمهما حكومتان عاجزتان و«مفترستان»، باتتا محاصرَتين بمتطرفين وحشيين مدعومين من قبل جيران يمثلون تهديداً ولديهم حلفاء إقليميون. وعليه، فالمشكلة أكبر وأعمق من أن يكون لها حل عسكري فقط. على المدى الطويل، يمكن القول إن مفتاح الاستقرار والسلام هو حكم أقل مركزية من دمشق وبغداد يوفر للسنة قدراً أكبر من العدالة والمساواة من ذي قبل . وذاك بدوره لا يمكن أن يتحقق إلا إذا وافق العراقيون والسوريون على اتفاقات لتقاسم السلطة. ومهما كان عداء وتباعد الأطراف المتصارعة حالياً، فإنها يمكن أن تتجاوب مع مساعينا الدبلوماسية، مع دعم ومساهمة تركيا والسعودية وإيران. لكن على أن تنأى تلك الجهود عن صناعة الحرب وبناء البلدان وأهداف مثالية وغير واقعية مثل إنهاء انقسامات الشرق الأوسط الطائفية والعرقية. وبالمقابل، ينبغي أن تسترشد بثلاثة أهداف قابلة للتحقيق: عدم السماح للمتطرفين بالسيطرة على الأراضي، حماية سلامة أراضي دول المنطقة، والسماح لكل مجموعة طائفية بفرصة العيش في سلام. والأكيد أن مهمة الوسطاء الأميركيين ستكون بالغة الصعوبة. فإذا كان الكثير من العراقيين يتشبثون بفكرة بلد موحد، فإن التشاحن بين سياسيي بغداد يبهت إذا ما قورن بمشاعر الارتياب وانعدام الثقة الطائفية العميقة التي تركها عقد من أعمال العنف والنزوح. وإلى ذلك، يمكن القول إن المنطقة الكردية في الشمال غادرت العراق فعلياً. ثم إن أميركا لديها اليوم تأثير أقل مما كان لديها في 2006، عندما كانت لديها قوات في العراق لإخماد العنف الطائفي، وأدوات سياسية ومالية أكثر للتأثير في السياسة العراقية. وإضافة إلى ذلك، فإن شيعة العراق سيقاومون أي حديث عن تقاسم السلطة مع المتطرفين السنة المتمردين. ذلك أن معظم الشيعة يريدون بدلا من ذلك دحر «داعش»، وبعد ذلك احتضان السنة، لكن كشركاء ثانويين فقط في دولة يهيمن عليها الشيعة. وبالمقابل، فإن الكثير من السنة يشعرون بأن الرياح تهب بما تشتهيه سفنهم ويعتقدون أنهم قادرون مرة أخرى على حكم العراق، لذلك، فمن المستبعد أن يوافقوا على أقل من شراكة ندية. إن القطع مع هذه المواقف قد يتطلب حكومة جديدة في بغداد. لكن حتى إذا توفرت حكومة من هذا القبيل، فإن الحفاظ على وحدة العراق سيتطلب دستوراً جديداً لإعادة تحديد كيفية تقاسم السلطة. إحدى الصيغ الممكنة تتمثل في أن يحكم الشيعة والسنة والأكراد مناطقهم على أن يتقاسموا سلطة وطنية في مركز أضعف. ويُذكر هنا أن صيغة مماثلة سمحت بإنهاء الصراع العرقي في البوسنة خلال التسعينيات. أما بالنسبة لإيران، فإن علاقاتها بالحكام الحاليين في بغداد ودمشق. وبالنظر إلى أنه لديها هي أيضاً أقلية سنية، فهي تخشى أن لا تكون محصنة هي الأخرى ضد جهود إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط. وخلاصة القول إن أميركا تستطيع بناء خطة دبلوماسية على المصلحة المشتركة في الحفاظ على سلامة العراق ووحدته؛ وتستطيع حشد المنطقة والدول حولها لهذا الغرض؛ وعليها أن تبدأ الآن. والي نصر عميد كلية الدراسات الدولية العليا في جامعة جون هوبكينز الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»