تُعتبر أعياد الميلاد عادة مناسبات للتطلع مع الزمن قدماً إلى الأمام؛ حيث قد ننظر إلى الوراء ونحن نشعر بالغبطة على ما قد نكون حققناه من نجاحات، وننطلق مصممين على أن تكون السنة الجديدة أقوى وأنجح من سابقتها. والواقع أنه على رغم صغر سني، إلا أنني عشتُ ما قد يعتبره كثير من الناس عمراً مديداً ومريراً. فقد كنتُ في الحادية عشرة من عمري عندما بدأت أعبِّر عن مناهضتي لـ«طالبان» وعن حقي في الذهاب إلى المدرسة؛ وكنت أبلغ 12 عاماً عندما اضطررت لترك منزلي في منطقة «وادي سوات» في باكستان بسبب تغوّل الإرهاب والتطرف في مدينتي؛ وكنت في الخامسة عشرة عندما أطلقت عليَّ «طالبان» النار وكدت ألقى حتفي ولكن كتب الله لي عمراً جديداً؛ وكنت في السادسة عشرة عندما رفعت صوتي من جديد دفاعاً عن حقوق الفتيات وتعليمهن، ولكن هذه المرة على صعيد دولي. وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أتممتُ 17 عاماً. وفي المرة الأولى التي احتُفل فيها بيوم مالالا، في نوفمبر 2012، كنت أرقد في المستشفى حيث كنت بين الحياة والموت، وكان الناس عبر العالم يتعاطفون معي ويدعون لي بالشفاء ويرفعون أصواتهم دفاعاً عن حقوق الفتيات، ليقولوا إننا معاً أقوى من الإرهاب ونرفض التطرف والعنف. وفي العام الماضي، أعلنت الأمم المتحدة رسمياً في عيد ميلادي السادس عشر، الموافق 12 من يوليو، «يوم مالالا». فألقيت كلمة أمام الجمعية العامة للأمم لمتحدة إلى جانب الأمين العام «بان كي مون» والمبعوث الأممي الخاص جوردون بروان وزعماء عظام آخرين؛ ورفعت صوتي في ذلك اليوم ليس من أجلي فقط، ولكن حتى يُسمع من صوت كل من لا صوت لهم. فتحدثت عن القوة الكامنة فينا، وقلت إن طفلاً واحداً، ومعلماً واحداً، وكتاباً واحداً، وقلماً واحداً، يمكن أن يغيِّر العالم. وفي يوم الاثنين الماضي أحيينا «يوم مالالا»، ويمكنني أن أقول إنني شعرتُ بالأمل والألم معاً. فقد كنت أعتقد أننا قد بلغنا نقطة تحول في تاريخنا الإنساني، وأن أي فتاة لن تواجه مرة أخرى ما اضطررتُ أنا لمواجهته. ولم أكن أعتقد أنه بعد عام واحد فقط على الخطاب الذي ألقيته في الأمم المتحدة، سيتم خطف أكثر من 200 فتاة في نيجيريا من قبل مجموعة «بوكو حرام» لا لشيء إلا لأنهن أردن الذهاب إلى المدرسة. وهؤلاء الفتيات أعتبرهن أخواتي. والواقع أن النساء والفتيات يواجهن كل يوم تحديات لا توصف. ذلك أن أكثر من 66 مليون فتاة عبر العالم ما زلن محرومات من الدراسة. وفي باكستان، يتم إخراج أخواتي من المدرسة ويتم تزويجهن دون إرادتهن مع أنهن لم يتجاوزن عتبة الطفولة، في كثير من الأحيان. وفي الهند، تم اغتصاب وقتل اثنتين من أخواتي في مايو الماضي وتركت جثتاهما معلقتين على شجرة في العراء. ولذلك، فإنني ما زلت أكافح حقيقة لأفهم أسباب مثل هذا العنف المدمر. كما أنني أفكر أيضاً في الفتيات السوريات اللاتي كن ينتظمن بالأمس القريب في الدراسة وصرن يعشن اليوم في مخيمات للاجئين والنازحين قد لا يتوافر فيها لهن ذلك، بينما يقف العالم متفرجاً في وقت يتحولن فيه إلى جيل ضائع. وأفكر كذلك في الفتيات العالقات وسط تبادل إطلاق النار في الحرب بين غزة وإسرائيل، ورؤوسهن محنية بينما يسمعن صفارات الإنذار المهولة محذرة من الغارات الجوية، بدلاً من أن تكون رؤوسهن منحنية على صفحات كتاب، مثلما ينبغي أن يكون الحال. إن التلاميذ يجب ألا يكونوا هدفاً لنزاع أو عنف. ولنلقِ جميعاً السلاح. إننا لا يمكن أن نجلس على الهامش ونسمح باستمرار مثل هذه الأمور لأننا جميعاً مسؤولون، ولا يمكننا أن نرتاح إلى أن تتحقق العدالة والحرية لكل فتاة ولكافة الناس. ومنذ «يوم مالالا» الماضي وأنا أعمل على مساعدة أخواتي عبر رفع صوتي من أجلهن؛ ولكن علينا جميعاً أن نبذل جهوداً في هذا المسعى الإنساني. إنني أعلم أن التعليم هو ما يفصل فتاة عالقة في دوامة من الفقر والخوف والعنف عن فتاة لديها فرصة في مستقبل أفضل. وقد كنت حريصة على السفر خلال إجازاتي المدرسية لمساعدة أخواتي عبر منظمتي «صندوق مالالا» حيث زرت مخيمات للاجئين في الأردن، وأمضيت بعض الوقت مع فتيات يواجهن الفقر في كينيا، وزرت حتى مدينة نيويورك حيث تواجه الفتيات الاعتداءات والعنف. إنني أدرك أن مساهمتي الصغيرة ليست كافية، ولكنها بداية. ثم إنني فتاة واحدة فقط، لا أكثر. والواقع أنني أينما حللت وارتحلت، أشعر بالذهول من قوة كل أخواتي. كما أشعر بالامتنان لأنني التقيت زعماء عالميين وأشخاصاً ملهمين. ولكنني أحمل معي دائماً همَّ ومشاكل أخواتي. صحيح أننا قد نبدو مختلفات من بعيد، ولكننا نواجه المخاوف نفسها ونتحلى بالشجاعة نفسها في الواقع. وفي «يوم مالالا» الماضي حكيتُ للعالم قصتي. وفي «يوم مالالا» هذه السنة، أتيت إلى نيجيريا من أجل لفت الانتباه إلى قصص هؤلاء الفتيات الشجاعات اللاتي ضحين بالكثير من أجل التعلم وتحقيق أحلامهن؛ حيث سألتقي مع بعض الفتيات المختطَفات اللاتي هربن من «بوكو حرام»، وكذلك مع بعض عائلات الفتيات اللاتي ما زلن في الأسر من أجل الاستماع إلى قصصهن ودعوة رئيس نيجيريا «جودلاك جونثان» لبذل جهود أكبر من أجل مساعدتهن. فهن يعانين، ولكنني أيضاً أعتقد أنهن أقوى من خاطفيهن. إننا أقوى من المتطرفين الذين يحاولون قمعنا، وممن يسعون إلى إسكاتنا. إننا أقوى من أعداء التعليم، وأقوى من الخوف والكراهية والعنف والفقر. إن أمنية عيد ميلاي هذه السنة هي أن نرفع جميعاً أصواتنا من أجل الدفاع عمن يتعرضن للقمع، لنُظهر قوتنا ونؤكد أن شجاعتنا أقوى من حملة الخوف التي يقفون وراءها. وخلاصة القول إن الطريق إلى التعليم والسلام والمساواة طويل، ولكننا سننجح إذا قطعناه معاً. مالالا يوسف زاي ناشطة دولية مدافعة عن حقوق الفتيات ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»