أطلت علينا وسائل الإعلام بأن «أمير المؤمنين»، عبد الله إبراهيم بن عواد البغدادي، أطلق صحيفة بعنوان «دابق»؛ وقيل إنها مؤسسة إعلامية كبيرة بهذا الاسم، ونحن إذ نسميه بأمير المؤمنين لأنه سمى نفسه بها، وأن لديه أرضاً يخطب ويبايع من عليها. فمن يدري قد يجد طريقه إلى بغداد، وعندها ستكون «دابق» صورة وصوتاً، والجوقة الإعلامية التي تداري على الهزيمة الكبرى، ستبقى نفسها تعمل فيها، فاللحى موجودة من الأساس، والعمائم ليس أكثر منها. فأحوال العراق خربة إلى حد غير مسبوق في التاريخ القديم والمعاصر. نقول غير مسبوق قياساً بوجود النفط والتصرف به، فمن كان يفسد في السابق لا يجد أكثر من خراج قرية من القرى، أما اليوم فالخراج العراقي المنهوب يكفي معاش مجموعة دول لا دولة واحدة. لم يُختر اسم «دابق» لصحيفة «الخلافة» اعتباطاً، وربما يؤشر على علاقة خفية مع «الإخوان المسلمين» الأتراك، فأردوغان مازال غير مطمئن لبلاده دون إزالة علمانيتها، وليس هو وحده في هذا التوجس، فكل الإسلاميين يحنون إلى عهد الخلافة، بشكليها العثماني أو ولي الفقيه الإيراني. إنها حقيقة لا شك فيها، ومن يفحص تاريخهم يجدهم دواعش مع التلطيف والتخفيف. كانت دابق قرية خضراء قريبة من حلب، شهدت حوادث جسيمة في العهود الإسلامية المختلفة؛ لهذا نريد الوصول إلى أي مناسبة استند أصحاب الصحيفة في تسميتها؟ تابعنا حوادث دابق لدى ابن جرير الطبري (ت 310هـ) فوجدناها حاضرة في الواجهة مع الروم، كل خليفة يتحرك منها عندما يريد الغزو، أو ما كان يسمى بالصائفة، فالشتاء يمنع التحرك في الثغور. شهدت دابق غزو سليمان بن عبد الملك (ت 99هـ) الروم، وقرر حينها اقتحام القسطنطينية، لكن الروم عدوا خديعة لجيشه، حتى أن الجند صاروا يأكلون «كل شيء عدا التراب»، وسليمان لا زال مقيماً بدابق «فلم يقدر يمدهم»، حتى مات ودفن في أرضها (تاريخ الأُمم والملوك). فوق هذا أحدث سليمان خللاً في وحدة الصف، عندما جعل ولده ولياً لعهده، بعد إغفال وصية والده عبد الملك (ت 86هـ) بأن يكون الأمر لعمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) بعده. بيد أن أيوباً توفى في عهد والده. ما يُذكر لسليمان أنه حاول أن يُنسي الناس، وخصوصاً أهل العراق، ما أحدثه الحجاج الثقفي (ت 95هـ) «فأطلق الأسرى، وأخلى السجون، وأحسن إلى الناس» (المصدر نفسه). هناك مَن يرى أن سياسة الحجاج كانت صائبة، وذلك قياساً على ما يحدث الآن داخل العراق. قطعاً هذه الرؤية غير صحيحة، فعلى العكس ازدادت الاضطرابات، وكثر الخارجون على الخلافة، ولم يهدأ العراق ولا الشرق خلال عشرين سنةً التي حكم فيها، وكانت من معايب الخلافة الأموية. لهذا يسر البعض أن يظهر حجاج على العراق، هذا رأي مبني على العاطفة للقسوة والدم، فمن يريد الدعوة إلى التشبه بالحجاج عليه أن يحسب حساب الزمن. بعدها شهدت دابق بيعة عمر بن عبد العزيز (99 -101هـ)، هنا نعود إلى المقصد من اسم صحيفة «الخلافة»، هل كانت العودة من دابق إلى الخلافة الراشدية، على اعتبار، مثلما تقدم في المقال السابق، أن ابن عبد العزيز عُدَّ خامس الخلفاء وفق حديث للفقيه سفيان الثوري (ت 161هـ)، أم أن قرية أو مرج دابق، ونحن نبحث عن سبب لتسمية الصحيفة، صارت رمزاً لاجتياح الغرب، فما بعدها كانت الثُّغور؟ فإن فكروا بهذه الصلة فربما دعاة خلافة اليوم لا يحتملون خبر شراء ابن عبد العزيز قبراً داخل دَير، هو دير سمعان، وقد دفن فيه. جاء في الرواية: «أمرنا عمر أن نشتري موضع قبره، فاشتريناه من الراهب». وقيل في رثائه: «أقول لما نعى الناعون لي عُمراً/ لا يَبعدنّ قوام العدل والدين/ قد غادر القوم باللحدِ الذي لحدوا/ بِدَيْر سَمعان قسطاط الموازِين» (تاريخ الأمم والملوك). إذا حصل وردوا علينا بعدم صحة الرواية نقول لهم: وكيف علمتم أن ثياب الخلافة التي ترتدون والعمائم التي تعتمرون وألوان الرايات التي ترفعون، والكنى التي تكنون كانت هكذا، ومن أين أتيتم بها؟ أليس مصدركم ومصدرنا من هذه الكتب؟! ظلت دَابِق مكاناً للصائفة والمعارك مع الروم، فحصل ذلك في أيام المهدي (ت 169هـ)، وكان نزلها بعد مروره على الموصل ثم حلب، وأتوا بما كان يسمى بالزنادقة إليه «فقتل جماعة منهم وصلبهم» (المصدر نفسه)، وفي عهد الرشيد (ت 193هـ) رابطَ بها ولده القاسم استعداداً لغزو الروم. أما عبد الله المأمون (ت 218هـ) فغزا الروم منها بنفسه (215هـ)، بل تجاوزها إلى أنطاكية وطرسوس ودخل بلاد الروم. نأتي إلى ما يربط تركيا الإخوانية والحنين البائن إلى الخلافة، وهي معركة «مرج دابق» (أغسطس 1516م)، بين آخر المماليك والسلطان العثماني سليم الأول (ت 1520م)، فخلافة العثمانيين من دون الشام ومصر تبقى ناقصة، وفي هذه المعركة دخل العثمانيون مصر والشام، وعندها حصلوا على شرعية الخلافة، من آخر خليفة عباسي بتسلم، حسب ادعائهم، العصا والبردة. ذلك بعد هزيمة المماليك. إلا أن سلطان مصر قانصوه الغوري (قتل 1516م) وكان يُحارب مِن على فرسه، والخلاف قائم ضده مع واليه على حلب، حتى قُتل بعد الانسحاب (انظر: الجبرتي. عجائب الآثار). هنا القائد يتحمل مسؤوليته، مع أنه يعلم أن استمراره بالقتال كان انتحاراً، وأمامه كان طريق السلامة والموادعة مفتوحاً. يذكر ياقوت الحموي (ت 626هـ) دابق بأنها «مرجٌ مُعشب نزهٌ»، وقيل أصلها اسم نهر، وبقربها قرية تُسمى دُيَبْق وكانت منفذاً إلى ثغر المصيصة (معجم البلدان). هذه دَابِق أو مرج دابق، غاب المكان وحلت المعركة مكانه في ذاكرة التاريخ، والآن صار «صحيفة»! من يقرأ حوادث تاريخ وانهيارات الدول يجد الشقاق والنزاع حاضراً في أرض المهزومين، فما قدم العثمانيون على المماليك إلا بعد أن رأوا فيهم التشرذم، وها هي الموصل صارت أرضاً لصدور «دابق»، فإذا صدق الحدس، أو لنقل التوهم، فليس بأيدينا سوى الأخبار ومعاينة الارتياح الإخواني التركي على انتصارات «داعش»، يكون الاسم موافقاً لتوهمنا. إنها صحيفة «الخلافة» المرتجاة، وحينها لا يهم من سيكون المبايع له بمرج دابِق!