كثر الحديث عن «الخلافة» وشروطها الشرعية إثر إعلان «داعش» قيام دولة «الخلافة» وتنصيب زعيمه البغدادي أميراً للمسلمين، يجب عليهم مبايعته والهجرة إلى دولته! وكان لافتاً استنفار «داعش» للجماعات الإسلامية كافة.. المجاهدين والعاملين لنصرة دين الله والرافعين الشعارات الإسلامية للبيعة والهجرة برسالة تقول: «إننا والله لا نجد لكم عذراً شرعياً في التخلف عن نُصرة هذه الدولة»، بل تهدد قائلة: «ولا يحل لأحد منكم يؤمن بالله أن يبيت ولا يدين بالولاء للخليفة»، وأنه بعد قيام الخلافة «بطلت شرعية جماعاتكم وتنظيماتكم». استفز هذا الخطاب خصوم «داعش» من التيارات الإسلامية المناوئة فانبرى «أبو محمد المقدسي»، أحد أبرز المراجع الفقهية للجماعات الجهادية، للرد محذراً المسلمين من الاستجابة لدعوة «داعش»، مبيناً أنها جماعة غير مؤهلة لإعلان الخلافة، وأنها يجب أن تتم بـ«اجتماع الناس والعلماء الفضلاء». وبدوره أصدر الشيخ يوسف القرضاوي بياناً باسم «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» يُبطل شرعية خلافة «داعش» لجهة أن «الخلافة الشرعية» هي التي تقوم «الأمة جميعها بمنحها للخليفة» أو من خلال ممثليها. وهكذا انشغل الجميع - المدافعون والمهاجمون - بالخلافة وشرعيتها، وفات الجميع أن يتساءلوا: هل يمكن إقامة «الخلافة» اليوم؟ وهل يسمح المجتمع الدولي بإقامة «إمبراطورية إسلامية» على أساس ديني؟ وهل ترضى الشعوب العربية والإسلامية بنظام «الخلافة»؟ نعلم أن الإسلاميين جميعاً، تنظيمات ورموز، معتدلين ومتشددين، يحلمون بعودة «الخلافة»، بل هي حلم قديم لمؤسس جماعة «الإخوان المسلمين»، حسن البنّا الذي ساءه سقوط الخلافة العثمانية (1924)، وسعى لإنشاء جماعة طليعية مؤمنة بإحياء الخلافة، سماها «جماعة الإخوان المسلمين». وظل هذا الحلم يداعب الخيال الجمعي للإسلاميين كافة، وبخاصة «حزب التحرير» بقيادة مؤسسه الفلسطيني تقي الدين النبهاني (أنشأه عام 1953).. وإلى يومنا هذا نرى ذلك الحلم متمثلاً في بيان «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» الذي جاء فيه: «كلنا نحلم بالخلافة على منهاج النبوة ونتمنى أن تقوم اليوم قبل الغد». لذلك يحاول الإسلاميون عبر «كتب التربية والتعليم» والدعاة والخطباء، إعطاء صورة زاهية مجيدة للخلافة بهدف كسب الرأي العام في صراعهم السياسي ضد «الدولة الوطنية»، فهل حقيقة صورة الخلافة هي كما يروجونها؟ أولا: الثابت المؤكد تاريخياً فشل تجارب الخلافات الإسلامية السنية والشيعية، الأموية والعباسية والعثمانية والفاطمية، ما عدا الخلافة الراشدة وعهد عمر بن عبدالعزيز، حيث كان «الخلفاء» ملوكاً (دنيويين) يوظفون الدين لإخضاع البلاد والعباد، ويهدمون كل يوم مقاصد الدين: العدل، الحرية، المساواة، استقلال بيت المال عن مال الحاكم. وكان الحكم بعد الخلافة الراشدة «ملكاً عضوضاً» ونظاماً قهرياً امتد 1300 سنة، ولم تكن للأمة أي مشاركة في القرار العام ومراقبة السلطة، بل كانت «الخلافة» حكم الرجل الفرد الذي يجمع في يديه كافة السلطات الدينية والدنيوية، لا تعقيب على قراره ولا حدود زمنية لولايته، يستمر حاكماً مطلق السلطات حتى يتوفاه الله تعالى أو يزيل سلطانه زعيم «متغلب» بسيفه. واستمر هذا النمط من «حكم الفرد المطلق» قروناً متطاولة، حتى سقط في العقد الثالث من القرن العشرين. وعلى امتداد تلك القرون، كان دور الأمة غائباً ومهمشاً، فقد عطل «الخلفاء» حق الأمة في اختيار الحاكم وأقصوها عن المشاركة ورسخوا الروح الجبرية القهرية الاستلابية. ثانياً: لم يجن المسلمون من «الخلافة» إلا الجهل والفرقة والصراعات الدموية والدويلات التي تحارب بعضها بعضاً، ولم تعصم «الخلافة» المسلمين من الفرقة والانقسام، بل كانت عاملا في تقسيمهم، إذ وُجِدت ثلاث خلافات متناحرة في وقت واحد؛ العباسية في بغداد والفاطمية في مصر والأموية في الأندلس. لذلك يقول الدكتور حسين مؤنس، المؤرخ والباحث في التاريخ الإسلامي، إن تاريخ الخلافة تاريخ من الظلمات بعضها فوق بعض. ثالثاً: إذا كان المسلمون قد ارتضوا - قديماً - نظام «الخلافة»، فذلك لأنه كان أمراً مقبولا بمنطق العصور القديمة -عصر الإمبراطوريات- حيث كان يوجد الحكم الكسروي والقيصري، وكان من الطبيعي تأثر المسلمين بهما واتخاذ نمط مشابه لهما باسم «الخلافة». رابعاً: ما يردده الدعاة والخطباء وما يقرأه الطلاب في الكتب المدرسية من نماذج مضيئة وأمثلة رائعة للتسامح والعدل والمساواة، تُعد استثناءات في مجرى الحياة العامة وفي مسار التاريخ الإسلامي، ولا تشكل القاعدة العامة، وليس من الأمانة التاريخية إبراز الجانب المضيء وإخفاء الجوانب المظلمة والمتمثلة في قهر الشعوب وإذلالها والبطش بالمعارضة السياسية والتنكيل بها، والمحن التي تعرض لها الفقهاء والعلماء والكتّاب. لقد غابت الشورى، وهي أهم قاعدة في الحكم الإسلامي، عند دنيا المسلمين بعد الخلافة الراشدة، وغابت المساواة، أهم سمات الدين الإسلامي، ليحل محلها حكم «التغلب» و«الملك العضوض». خامساً: القول بأننا ندعو إلى خلافة بشر بها الرسول صلى الله عليه وسلم تكون على «منهاج النبوة»، قول دعائي مرسل لا سند له من الواقع التاريخي، فإذا كانت «الخلافة على منهاج النبوة» لم تتحقق خلال 1400 سنة، فهل ينجح الإسلاميون -مهما حسنت نياتهم- في إقامتها خلال هذا العصر الذي يقوم على الديمقراطية وحق الشعوب في حكم نفسها؟ هذا من قبيل «الحلم المحال». سادساً: الإسلام إذ أمرنا بالشورى كقاعدة للحكم، فإنه لم يطلب منا التعبد بنظام «الخلافة» ولم يلزمنا بلون معين للحكم، وقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»؛ فالأنظمة متغيرة، وما يصلح لزمن قد لا يصلح لآخر، لكن المبادئ ثابتة، والمهم في الإسلام الثوابت لا المتغيرات، وقد أعطانا الإسلام حرية صياغة مبدأ الشورى بما يناسب روح عصرنا وينسجم مع منطقه، وبما يعزز دور الأمة في تنظيم شؤونها. سابعاً: نظام «الخلافة» لا يناسب عصرنا ولا يتفق مع «منطقه» و«روحه»، فالعصر، عصر الدول الوطنية، ذات السيادة، والخلافة نظام عابر للحدود الوطنية ولا يعترف بالسيادة، كما أنه عصر الديمقراطيات، والخلافة بمعناها الذي تطرحه «داعش» تصادم المفهوم الديمقراطي. ثامناً: نظام «الخلافة» يخل بموازين القوى القائمة، فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يسمح بـ«إمبراطورية إسلامية» على أساس ديني، إذ في ذلك تهديد للمصالح الدولية. تاسعاً: لا يمكن لشعوبنا التي ثارت على حكم الاستبداد، أن ترضى بهذا اللون من الحكم الفردي المستبد والذي يهمش مشاركة الشعوب في الشأن العام. وختاماً: على الحالمين بعودة «الخلافة»، أن يفيقوا ويستوعبوا منطق وروح العصر ويدركوا أن «الخلافة» نظام انتهت صلاحيته، وأنه لا عودة للوراء.