يعمد البعض في سياق العدوان الإسرائيلي الراهن على غزة إلى خلط الأوراق فيما يتعلق بالسياسة المصرية تجاه هذا العدوان، ولأن الغالبية من هذا البعض تنتمي إلى «الإخوان المسلمين» الذين يناصبون الرئيس المصري الحالي ونظام حكمه أشد العداء، فإن خلط الأوراق هذا يستند إلى تناقض مزعوم بين تصريحات الرئيس بخصوص استعداد مصر لتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه حماية الأمن القومي العربي التي اختزلها تعبير «مسافة السكة» وبين التقاعس عن التدخل لنصرة أهل غزة ضد العدوان. وفات هؤلاء أن تعبير «مسافة السكة» هو بمثابة رسالة تفيد بأن زمن تقوقع مصر داخل حدودها بحجة صون الدم المصري قد ولّى، وأنه ليس منطقياً على سبيل المثال أن تتلقى مصر الدعم السياسي والاقتصادي الفاعل وقت المحنة من دول عربية شقيقة ثم تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي خطر أو تهديد تتعرض له إحدى هذه الدول أو غيرها. ولكن الرسالة لا يمكن أن تُفهم بطريقة شكلية، فليس كل تهديد لأمن دولة عربية يصلح لتحرك عسكري مصري يشارك في درء هذا التهديد، وعلى سبيل المثال فإنه ليس معقولاً أن تدفع القيادة المصرية قواتها إلى العراق لمشاركة حكومته في التصدي لخطر «داعش» وتداعياته، فالأصل في التهديد ليس «داعش» في حد ذاتها وإنما في نظام الحكم الطائفي الذي جعل قطاعات من سُنة العراق تؤيد ما تفعله «داعش»، بل وتشارك فيه، ولذلك فإن مسافة السكة هنا هي مسافة الطريق إلى الحكومة العراقية لإقناعها بأن أساس الحل هو التخلي عن طائفية الحكم، وصولاً إلى حكومة عراقية «وطنية» لا تميز بين مواطني العراق على أساس طائفي. وعموماً، فإن مبدأ مسافة السكة يثير إشكاليات حقيقية في التطبيق عندما يتعلق بالصراعات الداخلية على النقيض من مواقف التهديد الخارجي. ولذلك فإن خصوم الرئيس المصري ونظام حكمه -وجلهم من «الإخوان المسلمين»- يشددون هجومهم عليه وتنديدهم به ناهيك عن سخريتهم منه لتقاعسه عن المسارعة إلى نصرة غزة وأهلها تطبيقاً لرؤيته هو نفسه لدور مصر في حماية الأمن القومي العربي: وهم بهذا يهزلون في موضع الجد، وبادئ ذي بدء فإن رئيسهم لم يفعل أكثر مما يفعله الرئيس الحالي عندما تعرضت غزة لعدوان إسرائيلي في 2012، وهو أيضاً ما كان يفعله حسني مبارك الرئيس المصري الأسبق طيلة حكمه الأمر الذي كان من المفترض أن يدفعه إلى إمعان النظر في ثوابت السياسة المصرية ومتغيراتها تجاه القضية الفلسطينية. غير أنه لم يكن ممكناً لهم أن يفعلوا غير ذلك، لأن الغرض الوحيد لموقفهم هذا هو النيل من خصمهم اللدود الذي حسم الصراع بينهم وبين الشعب المصري لصالح هذا الشعب وتصدى لخطرهم الإرهابي على مصر والمصريين. وأول القيود على القرار المصري في هذا الصدد ذو طابع قانوني وهو معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية في 1979، أي منذ أكثر من ثلث قرن وهي المعاهدة التي تجعل من أي تدخل عسكري مصري لصالح غزة انتهاكاً صارخاً لتلك المعاهدة يؤدي إلى إدانة دولية قد تصل إلى حد فرض العقوبات ويسوغ لإسرائيل حق الرد. ويعزز هذا أن ميزان القوى الحالي بين مصر وإسرائيل لا يسمح لمصر بأن تقدم على اجتثاث القوة العسكرية الإسرائيلية وإن كان يمكنها من ردع أي عدوان إسرائيلي عليها؛ ولذلك فإن أي قرار مصري بالإقدام على تدخل عسكري ضد إسرائيل لن يكون قراراً رشيداً، وهذا الأمر موضع إجماع القوى السياسية المدنية في مصر حتى المعارضة منها، ولذلك فإن المعترضين من هذه القوى على معاهدة السلام مع إسرائيل لا يتحدثون عن إلغاء المعاهدة، وإنما عن تعديلها. ويعزز من هذا القيد القانوني كذلك أن الظروف التي تمر بها مصر حالياً تجعل الأولوية للقوات المسلحة المصرية في اجتثاث الإرهاب من سيناء خاصة في ظل التطورات الأخيرة في الوطن العربي وعلى رأسها تطورات العراق التي تجعل الاستخفاف بخطر الإرهاب على الدولة العربية وسلامتها الإقليمية جريمة في حق الوطن ومستقبله. ومما يُعقد الصورة أكثر بالنسبة للسياسة المصرية تجاه غزة أن «حماس» صاحبة اليد العليا فيها كانت طرفاً فاعلاً في دعم الإرهاب على أرض سيناء على أمل أن يعود «الإخوان المسلمون» إلى حكم مصر وهم الذين نسجت معهم «حماس» خيوط تحالف عضوي باتت تراهن معه على تغير استراتيجي في المنطقة العربية نتيجة ما تخيلته من هيمنة قادمة للتيار المتستر وراء الإسلام على زمام الأمور في الدول العربية، ولذلك فإنه ليس منطقياً أن تهب مصر لنجدة غزة عسكرياً في ظل هيمنة «حماس» عليها. وقد يقول قائل إن مصر ترتبط بمعاهدة الدفاع العربي المشترك التي تلزمها بالتدخل في غزة وهو قول غير دقيق بالمرة، لأن للمعاهدة آلياتها التي تعتمد أساساً على ما يقرره مجلس الدفاع العربي المشترك ولذلك فإن الرئيس جمال عبدالناصر عندما استشعر خطراً داهماً من جراء المشروعات الإسرائيلية من تحويل مجرى نهر الأردن في أواخر 1963 لم يبادر مثلاً إلى ضرب هذه المشروعات وإنما دعا إلى قمة عربية لتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك وعقدت القمة بالفعل في القاهرة في يناير 1964، واتخذت عدداً من القرارات على رأسها إنشاء قيادة عسكرية عربية مشتركة وُزعت فيها المسؤوليات العسكرية والمالية بدقة بين كافة الدول العربية في ذلك الوقت. وهكذا فإن ما تفعله السياسة المصرية الآن تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة هو الممكن في إطار التحليل السابق: تحرك دبلوماسي مكثف لإدانة العدوان دولياً، والتوصل إلى تهدئة بين إسرائيل والفلسطينيين تبدأ بوقف إطلاق النار، ومساعدات إنسانية للقطاع بالغذاء والدواء، وفتح معبر رفح لاستقبال جرحى فلسطينيين، غير أنه بالتأكيد ليس أقصى الممكن، إذ إنه من المطلوب مزيد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتبصيرها بأن نهجها الحالي فاشل منذ زمن ولا تترتب عليه سوى كوارث إنسانية تزيد من العزلة الدولية لإسرائيل دون أن تحقق لها أي ميزة استراتيجية وتزيد من عداء الفلسطينيين لها ومن إصرارهم على مقاومتها.. ومطلوب أيضاً مزيد من التحرك لإدانة العدوان في كافة المحافل الدولية، ومزيد من المساعدات الطبية والغذائية وإقامة مستشفيات ميدانية في غزة تحت مظلة الأمم المتحدة، وفتح باب التطوع للأطباء وغيرهم ممن يريدون المساهمة في مواجهة آثار العدوان الغاشم. أما «الإخوان المسلمون»، فعليهم أن يتقوا الله في وطنهم وألا يجعلوا مصلحتهم في استعادة حكم مصر مفضية إلى إلحاق مزيد من الضرر للوطن الذي يعيشون على أرضه وتحت سمائه.