ثمة إجماع على تحميل المالكي المسؤولية الأساسية عما آلت إليه الأوضاع في العراق. مكونات البلاد تقول ذلك. من داخل صفوف التحالف الذي يضم كتلة المالكي الأكبر، ومن مواقع شيعية روحية وسياسية، صدرت مواقف تؤكد عناده وتسلُّطه، وانحرافه بالحكم، واستبعاده للسُّنة، وإدارة ظهره للأكراد، واستقواءه ومكابرته، مما أدى إلى احتقان كبير في أوساط كثيرة، باتت تتطلع إلى التخلص من هذه الحالة بأي وسيلة وثمن. في الخارج، إيران الراعية والحامية اضطرت إلى الإعلان أنها لا تتمسك بشخص. ولا تصرّ على بقاء المالكي. فليقرّر الشعب العراقي من يختار وليس الخارج، أي خارج، وأكد أكثر من مسؤول إيراني أن المالكي «يتحمل المسؤولية». لقد «نصحناه مراراً وتكراراً بالانفتاح والتعاطي الإيجابي واستيعاب المكونات الأخرى، وإبعاد الفاسدين، وإدارة الأمور بطريقة مختلفة فلم يسمع. ومع ذلك لسنا نحن أو غيرنا من يقرر بقاءه بل الشعب العراقي...». هذا ملخص ما أجمعت عليه المواقف والتصريحات الإيرانية المتعددة. الأميركيون الذين رعوا المالكي شخصياً وأوصلوه الى رئاسة الحكومة حمّلوه المسؤولية. والأميركيون الحاليون، أي الذين يديرون الأمور اليوم وصلوا إلى طريق مسدود وقالوا، عسكريين وسياسيين: «لا يمكن الخروج من هذا المأزق وبعد أحداث الموصل إلا بحل سياسي يشمل كل مكونات البلاد»! رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي مارتن ديمبسي قال: «لابدّ من الانفتاح على السنة والأكراد. هل سيلتقط القادة الرسالة؟ هل لدينا شريك في العراق اليوم؟ إذا كان الجواب لا فالمستقبل قاتم. والقوات العراقية ليست قادرة وحدها على المواجهة واستعادة ما خسرته، إنها بحاجة إلى وقت طويل». المالكي يعرف كل ذلك ويصرّ على عدم التراجع. ويدخل في معركة مفتوحة طويلة. ثمة رهان أن موجة القلق والخوف من «دولة الخلافة» وتمدّدها، ومن وجود عناصر من دول مختلفة في صفوفها قد تعود إلى بلادها الأصلية وتنفذ عمليات على أراضيها، قد يقلب المعادلات، في ظل الدعوات الدولية المختلفة إلى مواجهة الحالة الإرهابية الخطيرة. ويأتي ذلك في لحظات حاسمة لناحية التفاوض الإيراني الغربي على الملف النووي الإيراني. الإيرانيون تشدّدوا. نظرياً يقولون لن يتدخلوا في العراق وفي التأثير على المالكي. عملياً القرار الأول والأخير لهم ولكنهم لن يقدموا شيئاً للآخرين دون ثمن. فالذين يتصرفون على أساس أن إيران تلقت صفعة في العراق، وقطع خط التواصل بينها وبين الشام، تماماً كما تلقت روسيا صفعة في أوكرانيا، وبالتالي فهم في مأزق وسيتراجعون ويقدمون تنازلات، مخطئون كما يقول المسؤولون الإيرانيون الذين يؤكدون: «نحن أمة قوية. قادرة على التحرك. نحن الدولة الأهم في المنطقة. ولسنا دولة مهمة فقط. نحن بحاجة إلى آلاف أجهزة الطرد المركزي وتطوير منشآتنا النووية ولن نتراجع عن هذا الهدف. نحن نقاوم الإرهاب وعلى الجميع أن ينخرط في هذه العملية قبل فوات الأوان لأن النار ستأتي إلى دياره...»، ويضيفون: «لدينا معلومات موثقة عن الاجتماعات التي عقدت.. في تركيا، وشارك فيها مسؤولون ورموز من أميركا وعدد من الدول وممثلو قوى سياسية ودينية متطرفة للتحضير لعملية الموصل وتحريض العشائر الرافضة سياسات المالكي وتغطية القوى المسلحة. ونعرف حجم الأموال التي دفعت وتدفع وبالتالي نعرف كيف نتعاطى مع هذه القضية. لكننا بالتأكيد لن نسلّم رقابنا وأمننا ومصيرنا لهؤلاء». وفي المقابل يصرّ رئيس إقليم كردستان على «حق تقرير المصير». الشعار الذي كان ولا يزال يرفعه الشعب الفلسطيني منذ النكبة على أرضه في عام 48. وعلى رغم كل الضغوط التي تمارس على البارزاني للعودة عن فكرة الاستفتاء لإعلان الاستقلال بعد الدخول إلى كركوك، والتحذيرات من هنا وهناك، وخصوصاً من إيران في الأيام الأخيرة، فهو يصرّ على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وبالتالي فإذا لم يتقرّر الأمر الآن، فإنه آخذ طريقه إلى التبلور مستفيداً من الظرف الحالي. وهذه أولى نتائج التطورات في «العراق الجديد»، بعد أحداث الموصل وإعلان دولة «الخلافة»! ويترافق ذلك مع توتر أمني لافت على الحدود السعودية- العراقية والسعودية- اليمنية، واستنفار القوات السعودية لمواجهته والتصدي لعمليات إرهابية تستهدف أمن واستقرار المملكة وهذا أمر خطير. وفي سوريا هجوم للجيش النظامي في اتجاه حلب، محاولة للسيطرة على المواقع الأساسية فيها تماماً كما كان مرسوماً من الأساس في الاتفاق الإيراني السوري قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة. واليوم، انتقل الحديث إلى مكان آخر. تواصل أمني غربي مع النظام، وجهد مشترك لمواجهة الحالات الإرهابية، وتأكيد على ضرورة المحافظة على الجيش السوري النظامي ووحدته وتماسكه وقوته كي لا تتكرر تجربتا العراق. فرط الجيش العراقي بعد الاحتلال الأميركي وانفراط الجيش الجديد في الموصل! وهذا يتلاقى مع الشعار الإيراني- السوري الداعي إلى إعطاء الأولوية لمواجهة الإرهاب، وبالتأكيد تتصدّر روسيا موقفاً أساسياً في هذا المشهد. وهي صاحبة مصلحة استراتيجية في التصدي للإرهاب الذي يقلقها على أراضيها. ولكن الغرب اليوم أصبح صاحب المصلحة ذاتها. وللشراكة في هذه العملية وتلاقي المصالح أثمان لابد من تبادلها. وروسيا تتشدّد إلى جانب إيران. وقد ظهر ذلك في اجتماعات فيينا. وروسيا تقف إلى جانب العراق- المالكي، وإلى جانب سوريا- الأسد. هذه هي لعبة الأمم. وفي قلبها اليوم تلاعب بفلسطين. فلسطين التي تتعرض لعدوان خطير من قبل عصابات الإرهاب الاسرائيلي. تدمّر. ترتكب مجازر جماعية بحق أهلها تحت عنوان الردّ على قتل مستوطنين وفي ظل إحراق الطفل محمد أبو خضير حياً على أيدي إرهابيين يهود! وإسرائيل بطبيعة الحال معنية مباشرة بما جرى في العراق وما يجري في سوريا وبالضغط لتأخير الاتفاق النووي الإيراني الأميركي الغربي، باتت النار في كل مكان. والقلق داخل كل أروقة الحكم هنا وهناك. والبازار كبير. حدث يغطي حدثاً ويطغى على آخر والحركة السياسية والدبلوماسية السرية والمعلنة تبحث عن صيغ وصفقات واتفاقات لم يظهر منها شيء حتى الآن. وثمة حديث عن لقاءات غريبة عجيبة، بين خصوم، وأعداء، في إطارات مختلفة. وعن اتفاقات حول عناوين عامة بين قوى كانت تريد استهداف وإيذاء بعضها بعضاً. والثابت دم عربي في كل مكان. اقتتال سني- سني، سني- شيعي، كردي- عربي، علوي- سني، هجرة مسيحيين، تغيير في الديموغرافيا، بدايات رسم تغيير في الجغرافيا، لعبة نفط مفتوحة يحترق فيها كثيرون، ويرتزق منها كثيرون «بالجملة والمفرق»، وضياع سياسي، وغياب كبار. وفي ظل هذا المشهد العين على لبنان الذي يعيش حالة فراغ سياسي «رسمي» في مواقع العمل وشلل ومشاكل اجتماعية وأمنية واقتصادية ومالية. اعتدنا في مثل هذه الحالة أن تأتي الحلول على «الحامي»، أي أن نصل إلى هزات وخضات أمنية تجرّ بعدها إلى تسويات لا توازي شيئاً من تكلفة ما جرى. أخشى ذلك، لأننا لا نرى عقولاً باردة تدير الأمور!