رغم الجهود الدولية والإقليمية والوطنية التي تبذلها الجهات الحكومية المعنية، لمحاصر انتشار جرائم المخدرات، فإن التقارير تشير إلى تزايد مطرد في معدلات جرائم المخدرات وحالات إدمانها، وإلى تضخم متواصل في العائدات المالية للاتجار غير المشروع في المخدرات، حتى أصبح لمافيا الجريمة المنظمة تأثيرها الكبير في المصارف والمؤسسات المالية العالمية. وبحكم الموقع الجغرافي والاقتصادي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتنوع جنسيات الوافدين إليها، فإنها تتأثر بما يجري في محيطها الكبير وتؤثر فيه. وفي كتابه «التخطيط الأمني لمكافحة المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة»، يتساءل الدكتور محمد الأمين البشرى حول واقع جرائم المخدرات في الدولة واتجاهاته، وما إذا كانت هذه الظاهرة حظيت باهتمام السياسات الأمنية والخطط الاستراتيجية لوزارة الداخلية في الدولة، وعن الأجهزة والآليات والتقنيات التي تم تسخيرها وتنظيمها لمواجهة جرائم المخدرات، والشراكات المجتمعية والحكومية في الخطط الأمنية الرامية إلى محاصرة جرائم المخدرات؟ ويعمل الدكتور محمد الأمين البشرى خبيراً في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، وسبق أن شغل منصب المدير العام للمباحث والتحقيقات الجنائية والأمن الداخلي في السودان، كما عمل مديراً لمعهد الأمم المتحدة الأفريقي، وأستاذاً في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في الرياض، وهو أستاذ محاضر في كلية الشرطة بأبوظبي وبعض الجامعات الإماراتية واليابانية. وقد صاغ الدكتور البشرى كتابه في ثلاثة محاور، يتعرض أولها للتعريف بالواقع الحالي لجرائم المخدرات على المستويين الإقليمي والدولي، بينما يدرس الثاني وقع تلك الجرائم في دولة الإمارات، مع إشارة لاتجاهات الظاهرة وأخطارها. أما الثالث والأخير فيتناول الاستراتيجيات والخطط الأمنية وجهود مكافحة جرائم المخدرات ومدى كفاءتها وفاعليتها، قبل أن يختتم كتابه بنتائج وتوصيات من شأنها الإسهام في بناء مجتمع خالٍ من المخدرات. وكما يوضح الكتاب فإن المجتمع الإماراتي لم يعرف المواد المخدرة في تاريخه القديم، ولم تكن أراضي الإمارات منطقة إنتاج أو صناعة أو عبور للمواد المخدرة. لكن البلاد عرفت المخدرات بشكل محدود، ولأول مرة، في أوائل القرن العشرين مع بداية قدوم الوافدين من الدول المنتجة للمخدرات ومعهم بعض المواد الأفيونية للاستعمال الشخصي، وقد عُرِفت وقتذاك باسم «الترياك». لكن لم تنشط حركة جلب المخدرات إلى دولة الإمارات أو العبور منها إلا في ثمانينيات القرن العشرين؛ وذلك بسبب التطور الكبير الذي طرأ على وسائل النقل البحرية والجوية والبرية، وانتقال الدولة إلى مركز للاقتصاد والتجارة العالميين. لكن كان من حسن الطالع، يقول المؤلف، إن الأجهزة الأمنية رصدت في وقت مبكر أخطار مشكلة المخدرات وأسبابها النابعة من الموقع الجغرافي للدولة، وكان ذلك في عام 1973 عندما تم تسجيل أول قضية مخدرات في دبي، الأمر الذي دفع لاتخاذ مزيد من التدابير الأمنية والتشريعية للحد من الظاهرة خلال السنوات اللاحقة. ويستشهد البشرى بإحصاءات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الاتحادية، والتي تشير إلى نجاحات كبيرة حققتها الأجهزة الأمنية في ضبط عصابات حاولت تهريب المخدرات عبر أراضي الدولة، كما حققت تلك الأجهزة نجاحات فائقة في الاكتشاف والإدانة في قضايا المخدرات، بلغت 97?3 في المئة. لذلك لا تشكل حالات التعاطي في دولة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الحالي رقماً مزعجاً بالمقارنة مع دول المنطقة، خاصة إذا أخذنا في الحسبان حجم السكان المتنامي وتعدد الإثنيات والثقافات، فضلا عن عدد الزائرين. وفيما يخص صور التخطيط الأمني لمكافحة المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة، يبين الكتاب بأن وزارة الداخلية أولت مشكلة المخدرات عنايتها واهتمامها منذ عام 1972 وبموجب القانون الاتحادي رقم (1) الذي أنشأها. وفي عام 1981 أنشأت الوزارة قسماً خاصاً لمكافحة المخدرات ضمن الإدارة العامة لشؤون الأمن. ثم تم تطويره إلى إدارة وفق القرار الوزاري رقم (91) لسنة 1987، قبل أن يتم تطويره مجدداً في عام 1995 إلى إدارة بتخصصات ومهمات مستحدثة. ثم شهدت الخطط الأمنية لمكافحة المخدرات نقلتها الكبرى وفق قرار مجلس الوزراء رقم (368) لسنة 2011 القاضي باستحداث الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الاتحادية، بوصفها وحدة تنظيمية مستقلة عن الأمن الجنائي. ويلاحظ المؤلف من مهام واختصاصات هذه الإدارة، تركيزها على رؤى ومحاور مهنية، تضع دولة الإمارات في موقع متقدم بين دول الريادة والقيادة الإقليمية والدولية في مجال مكافحة المخدرات. وكما يسجل المؤلف في أكثر من موضع من كتابه، فقد وفّرت الدولة، منذ وقت مبكر، التشريعات الرادعة والخطط الاستراتيجية الهادفة والأجهزة الأمنية المتطورة، تحسباً لخطورة مشكلة المخدرات. وقامت هذه الأجهزة بجهود مقدرة، وحققت نجاحات في الحد من عمليات الاتجار غير المشروع في المخدرات. وإلى ذلك فقد أولت الدولة معالجة مدمني المخدرات وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع، عناية خاصة، من خلال إنشاء المصحات ومراكز التأهيل، وتطويرها، وتقديم خدمات إنسانية لمساعدة ضحايا جرائم المخدرات. محمد ولد المنى ------ الكتاب: التخطيط الأمني لمكافحة المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة المؤلف: محمد الأمين البشرى الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2014