في المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة السورية وفي ظل نقص عدد الأطباء والعقاقير والمستلزمات الطبية الضرورية، ينقذ الطب عن بعد أرواح ضحايا القتال في عدد من وحدات الرعاية المركزة. فالكاميرات المتصلة بالإنترنت تسمح للأطباء بالعمل في بلدان آمنة مثل الولايات المتحدة، مع تقييم أفضل طريقة لعلاج المرضى ذوي الحالات الحرجة. ثم يرسل هؤلاء الأطباء تعليماتهم إلى الفريق الطبي في سوريا. ويشير الطبيب عبد العزيز العدل، رئيس مكتب الصحة في منطقة حلب التي يسيطر عليها المتمردون، إلى أنه «قبل اللجوء للطب عن بعد، كان كثير من المرضى يموتون بسبب الافتقار للأدوية والوسائل والخبرة». ودشنت «الجمعية الطبية الأميركية السورية» مبادرة ممارسة الطب عن بُعد العام الماضي. وجاءت المبادرة استجابةً مباشرة للعجز في الأطباء في سوريا التي تعيش عامها الرابع من الصراع. وفي ظل الافتقار إلى الأطباء، وقعت الحالات الخطيرة والمعقدة في غالب الأحوال في أيدي الممرضين والفنيين. والطبيب تامر حسن الذي يرأس المكتب الميداني للجمعية الطبية الأميركية السورية في «غازي عنتاب»، وهي مدينة حدودية تعتبر مركزا للاجئين السوريين ومنظمات الإغاثة، يُجري تدريبات شهرية للعمال الطبيين السوريين في محاولة لتقريب الفجوة. ويؤكد حسن وجود عجز حقيقي في كل التخصصات، ومنها أطباء الرعاية المركزة، وأن ليس لديهم إلا فنيون وممرضون للرعاية المركزة، «وهؤلاء ليسوا خبراء، خاصة عندما تكون الحالات معقدة وصعبة». وذكر الطبيب «العدل»، وهو يستخدم اسماً مستعاراً لأسباب أمنية، أن مبادرة الطب عن بعد حسّنت معالجة المرضى في وحدات الرعاية المركزة. لكن في المستشفيات الميدانية في حلب ومحافظة أدلب التي تعرضت لهجمات متكررة من قوات النظام السوري، مازالت الظروف أبعد ما تكون عن المثالية. ومعظم مرضى الرعاية المركزة الذين يعالجهم «العدل» وزملاؤه، هم من ضحايا البراميل المعبأة بالمتفجرات وقطع المعدن والكيماويات التي تلقيها طائرات النظام السوري. ويراقب فريق من الأطباء منتشرين في كندا وإنجلترا والولايات المتحدة المرضى السوريين بشكل آنٍ، باستخدام ثلاث كاميرات إنترنت متصلة بوحدة الرعاية المركزة. ويحرك المشرف الطبي الكاميرات ليفحص كاميرات المراقبة والتهوية والمريض نفسه. وبناء على البيانات المتوافرة يصف الطبيب العلاج ويراقب عملية التنفيذ ويقدم النصح لمساعديه. ويُستخدم «سكايب» كوسيلة اتصال. واضطر الطبيب «العدل»، وهو متخصص في الجراحة العامة، إلى إجراء 12 جراحة في القلب، نجح نصفها، بسبب الافتقار إلى المتخصصين. وقال «العدل» إن «فنيي وحدة الرعاية المركزة يتمتعون باتصال مباشر على مدار الساعة مع فريق أطباء تحت الطلب». واتخذ النظام السوري من المستشفيات والفريق الطبي هدفاً لهجماته. وفي بداية الصراع في ربيع 2011، عندما قمع النظام بعنف احتجاجات سلمية، خاطر الأطباء بإمكانية تعرضهم للتعذيب والموت والاحتجاز، كي يعالجوا المحتجين والمنشقين عن الجيش السوري. والآن، بعد أن وقعت سوريا في قبضة صراع وحشي، تعمل المستشفيات الميدانية تحت الأرض في محاولة لتفادي القصف الجوي. وعرض «العدل»، والذي نجا من الموت بمعجزة عدة مرات، على جهاز «آي باد» صورة لغرفة نومه المليئة بالأنقاض في مستشفى ميداني. وعرض صورة أخرى لقطاع تعرض للقصف من المستشفى بينما ظلت الأقسام الأخرى تعمل. وفي سبتمبر الماضي، دمر هجوم، مستشفى ميدانياً بالكامل في منطقة الباب، وهي قاعدة لمقاتلي المعارضة على أطراف حلب. وأودى الهجوم بحياة 11 شخصاً بينهم طبيبان وأربعة ممرضين. وقالت الجمعية الطبية الأميركية السورية إنه ثالث مستشفى يتعرض للقصف خلال عامين. ولقي مئات من المتخصصين السوريين في الصحة حتفهم أثناء أداء واجبهم. وقُتل كثيرون عندما قصفت قوات النظام منشآتهم الطبية أو منازلهم كما اتهم مقاتلو المعارضة أيضاً بمهاجمة المستشفيات التي استُخدم بعضها كقواعد عسكرية. وأظهرت بيانات جمعتها منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، ومقرها نيويورك، أن قوات الحكومة السورية مسؤولة عن 90 بالمئة من 156 هجوماً مؤكدا على منشآت طبية منذ مارس 2011. وجاء في بيان للمنظمة: «دأبت القوات السورية على مهاجمة نظام الرعاية الصحية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة خلال السنوات الثلاث الماضية، مما أدى لوفاة أكثر من 460 مهنياً في مجال الصحة، ولدمار واسع النطاق للمستشفيات والعيادات». وأشارت «دونا مكاي»، المديرة التنفيذية للمنظمة، إلى أن سوريا «من بين أسوأ الأمثلة في استهداف الرعاية الصحية باعتبارها سلاح حرب». وفي ظل هذه المخاطر، فر الكثير من الأطباء والممرضين بين ملايين المدنيين إلى خارج سوريا. ومن بقي من الطواقم الطبية أرهقهم العمل تماماً. وقال العدل: «إننا منهكون. الموضوع لا يتعلق بالجراحة فحسب بل بالمتابعة». وهناك ثلاثة مستشفيات في الجانب الذي يسيطر عليه مقاتلو المعارضة من حلب المنقسمة، والتي تستخدم حالياً «الطب عن بعد» لمعالجة المرضى الذين يعانون من حالات حرجة. وقال الطبيبان العدل وحسن، إن التحدي الرئيسي لإجراء العمليات هو تأمين الاتصال بالإنترنت والعثور على فريق عمل راغب في القيام بهذا في مناطق الخطر الشديد. ويؤكد العدل أن معظم المرضى من ضحايا القنابل البرميلية. وهناك ما بين 90 و95 في المئة من المرضى من المدنيين بسبب الإلقاء العشوائي لهذه القنابل. ويختتم العدل كلامه قائلا: «يسعدني للغاية معرفة أن مرضاي في أيدٍ أمينة حتى ولو من بعد.. الطب عن بعد منحنا فرصة ذهبية لإنقاذ الأرواح». ------ دومنيك سوجيل غازي عينتاب (تركيا) ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»