كانت الأمة الإسلامية ذات يوم مركز حضارة ومنارة إصلاح وإرشاد، وكان لها تأثير كبير على أوروبا وبقاع واسعة من العالم في كل المجالات العلمية والفكرية والثقافية والأدبية والاقتصادية والسياسية، وذلك بتأثير من القوة الإصلاحية الهادية التي اكتسبتها بفضل الإسلام كرسالة سماوية جاءت لإنقاذ البشرية من حالة الجهل والظلام التي كانت تعيشها. لكنّ خللاً أصاب الأمة الإسلامية وجعلها تعيش حالة من الأفول، بعد أن بدأت تهجر العمل بما أرشدها الله إليه في القرآن الكريم، واكتفت من هذا القرآن بترديد آياته وألفاظه وحفظ سوره وجعله مجرد تعاويذ للتبرك في البيوت والمناسبات والاحتفالات، وتوقفت عن العمل بما نصت عليه سوره وما دلت عليه آياته، أي عن التعمق والتدبر في كنوز هدايته، كما انقطعت عن الاهتمام بتطوير العلوم التي أشعلت لها نور الحضارة وحققت لها تقدماً مذهلاً، وتوقفت عن الاجتهاد، وأهملت البحث العلمي والفكر الإبداعي، وتركت العلم ينتقل إلى غيرها.. وبذلك طوى النسيان كثيراً من الأمجاد العلمية التي عمل الأسلاف على صنعها لهذه الأمة، فتكالب عليها أعداؤها من كل جانب بعد أن سقطت رهينة لحالة التخلف والضعف، واستغلت أوروبا التي كانت تعيش في ظلام وتخلف ذلك الأفول لتخرج من خلاله إلى حالة النهوض؛ فاهتمت بدراسة العلوم التي أسّسها المسلمون ثم أهملوها، وأعادت الحياة للبحث العلمي وقامت بتطويره واستكمال مسيرة الوهج الحضاري التي أشعلها المسلمون. وقد أخبرنا القرآن الكريم عن مثل ذلك الخلل الذي أصاب الأمة الإسلامية على امتداد قرون عدة، وحدد معالمه وإشكالياته في الآيات القرآنية التي تتحدث عن نكوص الأمم، ودلنا على الطريق الصحيح والمنهج السوي الذي يفترض اتّباعه للخروج من حالة الضعف والتخلف إلى حالة القوة والارتقاء والتقدم، وأرشدنا إلى الأخذ بما فعله الأسلاف الذين أشعلوا نور الحضارة ونشروها في العالم كله، حيث تبين أنه من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال السلف الصالح وكنوز التراث الإسلامي الضخمة، يمكن للأمة أن تنهض مجدداً وتستعيد مشعل الحضارة والارتقاء وتصبح أمة في مقدمة الأمم. ومن شأن ذلك أن يكشف لها أسباب الخلل، فتبتعد عن موجباته إلى التعمق في العلم والمعرفة بكل وسيلة، ما يحثها على البحث والتأمل والنظر والاجتهاد وإعمال الفكر، وصولاً إلى الهدف المنشود. لقد أصبح مثل ذلك الأمر في عالم اليوم ضرورة قصوى من ضرورات العصر للتغلب على العديد من المشكلات والأزمات التي يعاني منها العرب والمسلمون، وهذه الضرورات لن تتحقق لهم إذا لم يصلحوا هذه المعادلة بما يحقق الخروج من الخلل الحالي الواسع، عبر النظر إلى ما أوصى به القرآن الكريم بعين الدقة والفحص حتى تكون للمسلمين نهضة حقيقية تجعلهم قادرين على الإسهام بجدية في حضارة العالم المعاصر. محمد الباهلي