أعلن إبراهيم عواد إبراهيم السامرائي نفسه «أميراً» على المسلمين (1 رمضان 1435هـ). لم ينتظر تلميذ أبي مصعب الزرقاوي (قُتل 2006) إلى الأول من شوال، لأنه محجوز لتأسيس وهم آخر «جماعة الإخوان المسلمين»، ولم ينتظر المولد النبوي فهو من البدع في عقيدته، إضافة إلى أن المناسبة محجوزة أيضاً لوهم آخر: ميلاد «الدعوة الإسلامية»، فالمتأخرون جعلوا تأسيس حزبهم يوماً مباركاً، وهذا أول رمضان قد حُجز لبيعة السامرائي مولداً والحسيني القرشي نسباً والبغدادي علماً. هكذا ورد نسبه في بيان البيعة تقليداً لمراسم بيعات الخلفاء الأقدمين. لا أظن هناك مناسبة دينية لم تستغل بتلفيق حزبي، من المولد والهجرة وبدر وما بعدها. على أن كتاباً صدر قبل عام من الآن (رمضان 1434هـ) بعنوان «مد الأيادي لبيعة البغدادي»، لأبي همام الأثري، سمى فيه السامرائي مسبقاً بأمير المؤمنين. سمعتُ بيان إعلان الخلافة كاملاً، بصوت أبي محمد العدناني، وكان يستحضر في نبرته ما يُقدم في المسلسلات التاريخية، مطعمة بصهيل الخيل، آمراً المسلمين بالمبايعة وغير المسلمين بالخضوع، وإلا لا عصمة للدماء، لأن الله أمر عبده أبا بكر البغدادي بإعلان خلافته، فاعتبرت البيعة واجب كفاية. ولا تنسوا أن لدينا جهاد كفاية أيضاً ضد البغدادي ورهطه (داعش)، ولكم القياس كم يحتمل هذا الدين من الأوجه، كي يغدو سياسات وأحزاباً؟ «إنه وعد الله»، هكذا قالها العدناني، تُضرب به أعناق مدعي الخلافة. كان الخليفة المبايع سجيناً في «بوكا»، ولا نعلم هل كان من الهاربين أم أن الأميركيين أطلقوا سراحه تمهيداً لخلافته؟ ونجد البيان تقيد بـ«الأئمة من قريش»، لكن مشكلتنا مع النسب، كيف للمبايعين معرفة الأصل، ودفتر النفوس غير معلن ولا يَعترف الخليفة به لأنه دفتر «دولة ضلالة»، وإذا أُعلن لا يسجل فيه سوى الاسم الثلاثي واللقب، وهذه حَيرة ستواجه المبايعين! هل سيكون البغدادي ضمن سلسلة خلفاء الإسلام كافة، أم سادسَ الراشدين؟ على أن عمر ابن عبد العزيز (ت 101هـ) خامسهم، بما قاله سفيان الثوري (ت 161هـ): «الخلفاء خمسة؛ ‏أبو بكر ‏وعمر ‏وعثمان ‏وعلي ‏وعمر بن عبد العزيز» (سنن أبي داود). فهمنا من الإعلان أن أمير العصر لا يعترف إلا بالأربعة الراشدين، فمن سيباركه ويجعله خامساً؟ وإذا كان مكملاً لسلسلة الأمويين (14 أميراً) والعباسيين (37 أميراً)، فأولئك في عهودهم زهت دمشق وبغداد بالدنيا والدين معاً، انفتحوا على الفلسفة والعلم والأدب والموسيقى، حتى أن بعضهم كان يجيد التلحين! وحاشا لـ«أمير عصرنا» أن يكون ضمن هذه السلالات! وإذا أريد لأمير دهرنا أن يكون مرتبطاً بآخر عثماني، فأولئك ليسوا من قريش، إنما ادعوا أنها أتتهم شرعاً من العباسيين، بعد استيلاء سليم الأول على مصر (1517م)، وأجبر المتوكل على التنازل (آداموف، ولاية البصرة). إنه التلاعب والتحايل كتلاعب إذاعة العدناني بالبيعة. لا نعلم هل حسب حساب البردة والعصا التي ادعى العثمانيون أنها سلمت إليهم؟ كي يتسلمها عن آخر وريث؟ كيف سيعمل الخليفة للحفاظ على الخلافة «حتى تُسلم لعيسى بن مريم»؟ حسب نص البيان. فالمبايعون يحتاجون إلى هذه الإجابات قبل التورط ببيعة في أعناقهم. أعجب العجب، كان غياب حفيد علي الهادي (ت 254هـ) بسامراء، وإذا بالخلافة تأتينا بشخص سامرائي، يدعي أنه حفيد الإمام نفسه، والانتظار مازال مستمراً للحفيد الأول. لطفاً بنا، نبايع من وننتظر من؟ فعقولنا ما باتت تحتمل لتعبئتها بكثرة الوهم! نسمع بتلك القصص من على أعواد المنابر معسولة بأصوات شجية، وما كنا نحسب أنه بفضل ثقافتها غدا ألف يماني ينتظر باب الحفرة، وخلفاء غفلة وعدهم «وعد الله». ما كنا نحسب حساب تحول الحكايات إلى عقل سياسي يدير دولة، وأن الوهم يصبح واقعاً والواقع وهماً. صارت خيالاتنا جامحة، ليست أقل من تأسيس دولة الخلافة وظهور دولة المهدي، بعد أن صُبت كتب التاريخ المشوشة في رؤوسنا صباً، لتمثل على خشبة مسرح اسمه العراق. هل قرأ البغدادي ما قيل في أهل العراق، وصدق نفسه كأحد الفطنين، لأن خلافته ستبدأ من الموصل رأس العراق؟ قال ابن أبي حديد (ت 646هـ)، ونسبها إلى الجاحظ (ت 255هـ) خطأً: «أهل نظر وذوو فطن ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح، والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء» (شرح نهج البلاغة). هل قرأ البغدادي، وهو يوزع عماله على الأمصار هاتكاً الأوطان بسراب خلافته، ما قيل في أهل العراق زمن الخلافة، الواقع لا الوهم: «أهل العقول الصحيحة، والشهوات الممدوحة، والشمائل الموزونة، والبراعة في كل صناعة.. كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك وهم أرباب الوافدين وأصحاب الرافدين» (المسعودي، التنبيه والإشراف). إذا كنا هكذا في الماضي الذي كسب «الخليفة» منه اعتباره، فكيف ظهر بيننا، ونبايعه على خفقة سراب، وإلا زحف علينا بـ«جند الله»؟ ليرجع البغدادي، تلميذ الزرقاوي، إلى وصية معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) لولده يزيد، ولا أظن ابن عواد أكثر حلماً من ابن أبي سفيان: «أنظر إلى أهل العراق فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فأعزله عنهم، فإن عزل عامل في كل يوم أهون عليك من سلِّ مائة ألف سيف، ثم لا تدري علامَ أنت عليه منهم، ثم أنظر أهل الشام فأجعلهم الشعار دون الدثار» (الطبري، تاريخ الأمم والملوك). بك يا أبابكر البغدادي، ستتم المفارقة بين ما قيل في كتب التاريخ ودوناه في ديباجة دستورنا، بلا شفقة على حاضرنا ولا خجل من ماضينا، وآخر الوهم، على الناس أن تشد الرحال لمبايعتك، في أرض أصبحت متاهة من الحماقة! بينما جاء في إعلان البيعة التحذير من اعتبارها وهماً. إذا كنت أنت تخشى الوهم فما بال الواهمين أنفسهم؟ ليس عاقلا مِن ينسى تحذير أمير المؤمنين لواليه على مصر: «اعلموا أن القصاص قادم على يد جنود الله تحت لواء ولدنا العاص بن أبي بكر، وفقه الله». نرى بيان الخلافة الداعشية قد أكثر من الاستشهاد بأبي الطيب (اغتيل 354هـ)، مثل: «ولم أر في عيوب الناسِ عيباً/ كنقص القادرين على التمامِ». فسروها وربطوها، قبل «البيعة الإلكترونية»!