ختمت مقالي السابق عن دبلوماسية المطرقة والمسمار التي تنتهجها إدارة الرئيس أوباما في المنطقة بالتحديد، وفي العالم بشكل عام، بالتأكيد على أن خطابه في حفل تخرج كلية «وست بوينت» العسكرية الأهم في الولايات المتحدة في شهر يونيو الماضي، قد اشتمل على توضيح عقيدته بمقاربة المطرقة والمسمار، حيث قال: «على رغم أننا نملك أفضل مطرقة في العالم (القوة العسكرية)، إلا أن هذا لا يعني أن ننظر لأزمات ومشاكل العالم على أنها مسامير»! ولكن ولعل الموقف بات معقداً وصعباً مع دينامكية التغيير المتسارعة في المنطقة التي وصلت إلى احتمال تغيير الواقع القائم منذ 100 عام بناء على اتفاقية «سايكس- بيكو»، وما يجري من حديث عن إلغاء حدود وإعادة رسم خرائط المنطقـة من سوريـا والعراق ربما وصولاً إلى ما هو أبعد، إذا ما تم تقسيمهما بالفعل. ولعل أول بوادر ذلك هو سيطرة الأكراد على كركوك -التي يعتبرونها عاصمتهم الثقافية و«قدس الأكراد»- ويزيد صعود تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف اختصاراً باسم «داعش» الوضع حدة أيضاً وتعقيداً، وهذا التنظيم يشكل الجناح المتطرف من تنظيم «القاعدة» الذي تبرأ منه. وقد سيطر «داعش» على رقعة جغرافية شاسعة تمتد عبر جمهوريتين عربيتين هما سوريا والعراق، وتمتد حدوده كما يقول من حلب في سوريا إلى ديالى في العراق على الحدود مع إيران.. وبعد إعلانه الأسبوع الماضي عن قيام ما سماه «الخلافة الإسلامية» وتنصيب أبوبكر البغدادي «أميراً» لجميع المسلمين في كل مكان! وبالتالي إلغاء الدول وسيادتها وقادتها ومعها حدود «سايكس- بيكو»، باتت الحاجة ملحة للتعامل بشكل فعال مع هذا الخطر العابر للحدود والعقائد، والملغي للكيانات والمتحدي للسيادة، والذي أصبح يحتل أراضي في دولتين.. ويزحف على بغداد، ويهدد بوجود خلايا نائمة تنتظر ساعة الصفر. أما الرد الأميركي، فكان كعادة أوباما التريث والقراءة والاستشارة والاجتماع مع مجلس الأمن الوطني وإرسال 750 مستشاراً وخبيراً عسكرياً لتدريب القوات العراقية، مع إرسال طائرات من دون طيار.. وتأكيد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة بأنه من غير الوارد القيام بعمل عسكري إلا إذا تحول الوضع في العراق إلى تهديد مباشر للأمن الوطني الداخلي الأميركي. وكان الجيش وقوات الأمن العراقية انهارا وفرا أمام زحف «داعش» لتحتل الموصل في 10 يونيو الماضي وتوسع رقعة «دولتها» لتصل إلى تكريت، وتسيطر على أكبر مصفاة نفطية في العراق، وبعدها بأيام على أكبر حقل نفطي في سوريا، ما يجعل «الدولة الإسلامية» خطراً استراتيجياً على أمن المنطقة بأسرها.. ومع ذلك بقي أوباما متمسكاً بصلابة بعقيدته وواقعيته الحذرة على رغم انفجار العراق وتشظيه وصعود خطر «القاعدة». ويرفض الرئيس الأميركي اتخاذ خطوات ملموسة للتعامل بشكل مباشر وحاسم مع تلك الأخطار بما يحتوي التداعيات السلبية للتهديدات ويطمئِن حلفاء واشنطن. وهذا التردد قد يسبب أزمة أخرى لملفات التباين في المواقف الخليجية مع واشنطن لتضاف إلى الاختلاف حول سوريا وإيران. ولعل ما يشجع أوباما على المضي في تطبيق استراتيجيته مع فريقه، هو مبدؤه الذي يكرره باستمرار «انتخبت لإنهاء الحروب وليس لبدء حروب جديدة!»، وبرصد وتقويم استراتيجية إدارة أوباما خلال الأعوام الثلاثة الماضية، برزت أربع حالات يمكننا من خلالها فهم عقيدته واستراتيجيته وآخرها تصريحه الذي ورد في بداية المقالة الذي قال فيه، إن كوننا نملك أفضل مطرقة لا يعني أن ننظر إلى أزمات العالم كمسامير.. وفي الصيف الماضي عبّر عن عقيدته بشكل واضح عقب رضوخ بشار الأسد وموافقته على الوساطة الروسية بتدمير ترسانته من السلاح الكيماوي مقابل عدم توجيه ضربة عسكرية أميركية -بعد أن تجاوز الأسد خطوط أوباما الحمراء باستخدام الغاز الكيماوي في الغوطتين الشرقية والغربية في دمشق. وعندها أوضح أوباما عقيدته بأنها تقتضي «دمج الدبلوماسية النشطة والفعالة بالتهديد الجدي والفعلي باستخدام القوة العسكرية كخيار أخير وبديل إذا ما فشلت المفاوضات والمساعي الدبلوماسية».. أي أن الدبلوماسية النشطة المدعومة بالقوة العسكرية تحقق نتائج.. وهذا ما نسميه في العلوم السياسية «دبلوماسية الإكراه أو القهر». وهذا ما برع أوباما في تكراره مع إيران بعد مفاوضات سرية في أوروبا بين الطرفين الأميركي والإيراني، تكللت لأول مرة خلال عقد من الزمن بدفع إيران و«إكراهها» على الموافقة في النهاية على توقيع اتفاق مبدئي ينتهي في 20 يوليو 2014 الجاري، يقضي بتجميد برنامجها النووي مقابل رفع جزئي ومتدرج للعقوبات كحوافز.. ولكن ذلك أثار الكثير من التساؤلات والقلق بين حلفاء واشنطن.. واليوم دخلت المفاوضات بين إيران والمجموعة الدولية (5+1) مرحلة ?حاسمة. ?وهاتان الحالتان -ملفا ?الكيماوي ?السوري ?والنووي ?الإيراني- يقدمهما ?أوباما ?كمثالين ?لنجاح ?عقيدته ?واستراتيجيته ?التي ?حققت ?الأهداف ?وحافظت ?على ?مصالح ?أميركا ?دون ?أن ?يطلق ?رصاصة ?أو ?يخسر ?جندياً.. ويعزز ?هذه ?العقيدة ?نجاح ?الولايات ?المتحدة ?في ?عام ?2011 ?في ?إسقاط ?نظام ?القذافي ?في ?ليبيا ?بتطبيق ?عقيدة ?أوباما ?وفق ما ?سماه «?القيادة ?من ?الخلف»?، حيث ?ترك ?لفرنسا ?في ?بداية ?الحرب ?على ?ليبيا ?قيادة ?العمليات ?العسكرية، ?ومن ?ثم ?قاد ?حلف ?شمال ?الأطلسي ?العمليات ?التي ?أدت ?لإسقاط ?نظام ?القذافي. ولذلك لم يكن مستغرباً أن نسمع من أوباما هذه التصريحات، وأن نتابع هذه المواقف عندما انفجرت الأوضاع في العراق، وبرز خطر تنظيم «داعش» الذي تفاقم خلال الأسابيع الثلاثة الماضية عن طريق الهجوم والغزو الكاسح ليسقط ويلغي الحدود بين سوريا والعراق ويحتل الموصل ثاني أكبر مدينة فيه، ويكمل تقدمه العسكري ليسيطر على مساحات واسعة في شمال ووسط العراق، في مناطق الحاضنة السنية، ويتحالف مع العشائر السنية الحانقة والغاضبة من سياسات الإقصاء والتهميش والاستهداف التي مارسها ضدها المالكي الذي فازت قائمته «ائتلاف دولة القانون» بأكبر عدد من مقاعد البرلمان، فيما بات واضحاً أنه هو نفسه أصبح جزءاً من المشكلة لا الحل، وهذا ما تراه الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي وسُنة العراق وحتى أكراده الذين عبر عن موقفهم رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، حيث حمّل المالكي مسؤولية ما حدث في البلاد، والوصول إلى قطيعة مع بغداد، وكذلك دعوته برلمان الإقليم لتحديد موعد لإجراء استفتاء على مستقبل كردستان العراق. وفي ظل هذه التهديدات والتحديات التي تتهدد المنطقة، خاصة جيران العراق بعد تحوله حسب أدبيات العلوم السياسية إلى «دولة فاشلة» مع ضعف وفشل الحكومة المركزية، وتفكك أطرافها التي لا تشكل بمجملها كياناً واحداً.. ووسط سيناريوهات متشائمة لمستقبل العراق بين حرب مذهبية أو تقسيم.. ومع التردد وعدم الحسم الأميركي، وفي ظل التقارب الأميركي- الإيراني حول برنامج طهران النووي، بات ملحّاً على دول مجلس التعاون الخليجي أن تفكر بإبداع وخارج الصندوق التقليدي، لتحصين أمن دولنا الذي لم يعد ترفاً.. وهذا ما سنبحثه في المقال القادم، إن شاء الله.