تربط بين الهند وبنجلاديش علاقات تاريخية وثقافية متينة. وحتى عام 1947، كانت بنجلاديش جزءاً من ولاية البنجال الهندية، وتم تقسيم هذا الإقليم على أيدي المستعمرين الإنجليز غداة حصول الهند على استقلالها وأصبحت بنجلاديش جزءاً من باكستان. وفي عقد السبعينيات، أدت حركة تحررية إلى قيام دولة بنجلاديش المستقلة بعد فصلها عن باكستان. ومن بين كل الدول المجاورة، ربما تكون بنجلاديش هي إحدى الدول المهمة التي فشلت الحكومة الهندية السابقة بزعامة حزب «المؤتمر» في الاستفادة من صداقتها. وتفصل بين الدولتين حدود برية مشتركة يصل طولها إلى 3900 كيلومتر بالإضافة إلى نحو 290 كيلومتراً من الحدود البحرية. ويضاف لكل ذلك أن 54 نهراً تعبر تلك الحدود الهندية وتتوغل في أراضي بنجلاديش. وبسبب هذه الحدود الممتدة والمتشابكة، نشأ خلاف بين الدولتين حول أساليب التعاطي مع الإرهابيين، وأيضاً حول الحصص المائية المشتركة. وتعود معظم الخلافات المتعلقة بالحدود والمياه إلى الفترة التي أعقبت تقسيم الهند. وبعد استقلال بنجلاديش مباشرة، تم توقيع اتفاقية من طرف أنديرا غاندي التي أصبحت فيما بعد رئيسة لوزراء الهند، ورئيس وزراء بنجلاديش الشيخ مجيب الرحمن. وتضمنت تلك الاتفاقية تبادل بعض المقاطعات المتداخلة التي تضم 51 ألف ساكن هندي يستوطنون 111 مقاطعة هندية داخل بنجلاديش، و51 مقاطعة تابعة لبنجلاديش داخل الهند. وبناء على تلك الاتفاقية تخلت بنجلاديش للهند عام 1974عن سلطتها الإدارية على الأقاليم المئة وأحد عشر، إلا أن الهند لم تعيد الأقاليم البنغالية المتفق عليها لبنجلاديش بسبب الضغوط، التي تتعرض لها الحكومة من طرف المستثمرين الهنود. وقررت بناء على ذلك اعتبار تلك الأقاليم مؤجرة لها لفترة طويلة وغير محددة من الزمن. وعندما تقلّد «ناريندرا مودي» منصبه كرئيس لوزراء الهند قبل نحو شهرين، كانت هناك ردود أفعال متضاربة ومشوشة في بنجلاديش. وبالرغم من أن رئيسة وزراء بنجلاديش الشيخة حسينة عبرت عن أملها في تطوير العلاقات الثنائية أكثر وأكثر مع الهند، فإن زعيمة المعارضة البنغالية السيدة خالدة ضياء لا تشاركها نفس المشاعر. ويعود سبب ذلك إلى أن «ناريندرا مودي» أطلق تصريحات قوية مضادة لبقاء المهاجرين البنغاليين في الهند ضمن حملته الانتخابية. ولقد أصبح موضوع المهاجرين البنغاليين غير الشرعيين في الهند السبب الدائم لإثارة الاضطراب في العلاقات بين الهند وبنجلاديش. ومن العسير إحصاء أو حتى تقدير العدد الدقيق للمهاجرين البنغاليين في الهند. ووفقاً لأحد التقديرات، يتراوح عددهم بين 15 و20 مليوناً إلى جانب نحو 6 ملايين يعيشون في ولاية آسام. وكان وجودهم في تلك الولاية سبباً في إثارة العنف الإثني والطائفي. ولم يزل من المبكّر على الحكومة الهندية أن تحزم أمرها بشأن السياسة الواجب اتباعها حيال هذه القضية المستعصية والمتعلقة بوجود البنغاليين الذين يعيشون في الهند. وعمدت حكومة مودي الجديدة هذا الأسبوع إلى ابتعاث وزيرة الخارجية السيدة «سواراج سوشما» إلى دكا من أجل العمل على تقوية العلاقات مع بنجلاديش، وهو الإجراء الذي كان رئيس الوزراء الهندي السابق «مانموهان سنج» يعتزم القيام به إلا أنه لم يكن قادراً على تحقيقه بسبب الطبيعة الهشّة لحكومته القائمة على سياسة التحالفات الحزبية. وخلافاً لما هي عليه معظم الدول المجاورة للهند، فإن رئيسة وزراء بنجلاديش الشيخة حسينة كانت تولي مسألة تمتين أواصر الصداقة مع الهند الأهمية القصوى. وأقامت الشيخة حسينة علاقة مهمة للتعاون الأمني مع الهند عندما عمدت إلى إغلاق الحدود الشمالية الشرقية مع الهند لمنع تنقل المتمردين الهنود الذين كانوا يجدون في تلك المناطق الحدودية الملاذ الآمن. ويضاف إلى كل ذلك أنها سهّلت تجارة «الترانزيت» عبر الحدود الشمالية الشرقية للهند التي تتصل مع الوطن الأم عبر قطاع ضيق من الأرض يعرف باسم «رقبة الدجاجة». وليس هناك إلا القليل من الشك في أن حكومة حسينة تمثل نظاماً مجاوراً، يمكن لـ«مودي» أن يعتمد عليه اعتماداً كاملاً. وخلال فترة حكم النظام السابق أي إبان حكومة خالدة ضياء، كانت العلاقات بين الهند وبنجلاديش ليست على ما يرام، وكان يسود الاعتقاد منذ زمن بعيد بأن دكا لا تحظى بما تستحقه من اهتمام نيودلهي. وربما تكون الحكومة الهندية الجديدة برئاسة «ناريندرا مودي» قد أدركت بأن الوقت قد حان للتحرك والاستجابة لبوادر حسن النوايا، التي عبرت عنها رئيسة وزراء بنجلاديش. ولقد عبر «ناريندرا مودي» عن أمله بإقامة منطقة للتعاون والتكامل الاقتصادي في جنوب آسيا من أجل إخراج الاقتصاد الهندي المنهك من حالة تباطؤ النمو. ولا شك أن التعاون الوثيق مع بنجلاديش يمثل دعماً قوياً للسير في هذا الاتجاه. وعبرت الحكومة البنغالية مؤخراً عن جهوزيتها لتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي مع الهند. ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في الوقت الراهن نحو 5.3 مليار دولار سنوياً مع ميلان طفيف في الميزان التجاري لمصلحة الهند. وتأمل بنجلاديش أيضاً من حكومة «مودي» مثلما كانت تأمل من الحكومات الهندية السابقة، بأن تساعدها على إنشاء البنى التحتية. وتمتلك بنجلاديش حقولاً واسعة للغاز الطبيعي. ويمكن للهند أن تقدم لها المساعدات التكنولوجية في مجال استكشاف واستغلال تلك الحقول واستيراد الغاز البنغالي بعد ذلك. وتعمل شركة «النفط والغاز الطبيعي» ONGC الهندية التابعة للقطاع العام الآن بشكل حثيث في مجال استكشاف حقول الغاز الطبيعي في دولة ميانمار المجاورة. وتدرس الهند خياراً لبناء أنبوب للغاز من بنجلاديش إلى المناطق الشمالية الشرقية من الهند إلا أن التكاليف الباهظة التي يتطلبها هذا المشروع صرفت النظر عن تنفيذه. ويمكن لحكومة «مودي» أن تشرك بنجلاديش في هذا المشروع الذي يمكنه أن يؤمن الطلب على الطاقة في تلك المناطق.