عندما بدا أن اليونان باتت قاب قوسين أو أدنى من مغادرة منطقة اليورو، في أواخر 2011، خيمت حالة من الترقب المشوب بالقلق على بلدان الاتحاد وخارجه؛ وأصبح بلد صغير يمثل 2 في المئة فقط من الناتج المحلي الخام لأوروبا محل اهتمام العالم. فقد كان الخطر يحدق بأشياء كثيرة، بل بمشروع اليورو برمته؛ وتم الشروع في إعداد خطط الطوارئ في كل مكان تحسباً للأسوأ، في المفوضية الأوروبية، والمجلس الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي، وعبر كل العواصم الأوروبية. ولعل المسؤولين الأوروبيين في بروكسيل كانوا يتطلعون إلى التخلص من «اليونانيين المزعجين»، مثلما يشرح هذا الكتاب؛ غير أنه إذا كان من الممكن منح اليونان دعماً كبيراً وتطويق الأزمة في بدايتها، فإن الخوف الرئيسي كان هو امتداد العدوى إلى بقية الجسم الأوروبي؛ حيث كان يخشى أن يكون أي انسحاب لليونان من منطقة اليورو مقدمة لسلسلة من الانسحابات اللاحقة للبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، بل وحتى فرنسا. بل كانت ستحدث فوضى كبيرة، ومكلفة جداً؛ لكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي صرحت قبل ذلك بأنه «إذا فشل اليورو، فإن أوروبا ستفشل»، تدخلت في نهاية المطاف وتم منح اليونان حزمة الإنقاذ المالي الثانية في 2012. وفي كتاب «اتحاد غير سعيد»، يقدم الكاتبان الصحفيان بمجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية، جون بيت وأنتون لاجوارديا، تحليلا رصيناً للأزمة المالية الأخيرة التي كانت تتخبط فيها منطقة اليورو والتي عرّت وكشفت عن جملة من المشاكل والاختلالات الكبيرة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي. فقد كان يفترض بالعملة الأوروبية الموحدة «اليورو» أن تخلق عروة قوية لا تنفصم بين دول القارة الأوروبية التي لطالما ابتليت بالحروب، غير أنه عندما ضربت أزمة الديون المنطقة، انكشفت عيوب العملة التي كادت ترمي بالاتحاد الأوروبي في الهاوية بعد عقود من الاندماج، واتضح أن العرى التي تربط أعضاء الاتحاد ليست بالقوة التي كان يتصورها الكثيرون. ففي أوج الأزمة، وصف رئيس الوزراء الإيطالي في حينه، سيلفيو برلسكوني، المستشارة ميركل بـ«السمينة المزعجة»، بينما وصف مسؤولو الاتحاد الأوروبي الهولنديين والفينلنديين بـ«جماعة المزعجين». ومن جانبه، لخص الرئيس الفرنسي آنذاك، نيكولا ساركوزي، تردد ألمانيا في إنقاذ اليونان مالياً بقوله: «فلينظف كل واحد الفوضى التي تسبب فيها». كما دعت مجلات ألمانية اليونانيين الميالين للتبذير والإسراف إلى بيع بعض جزرهم الكثيرة لتسديد فواتيرهم. لقد كان من المفترض أن تتحول سوق مشتركة، تجمعها وتوحدها عملة مشتركة، إلى منصة لثروة غير مسبوقة في أوروبا؛ لكن بدلا من ذلك تبين أنها مقيِّدة للاقتصادات الأضعف في القارة من خلال البطالة المرتفعة وانعدام النمو. وعلى سبيل المثال، فإن نصيب الفرد من الدخل في إيطاليا يعتبر اليوم أقل مما كان عليه عند اعتماد اليورو في 1999. كما أن شعبية الاتحاد الأوروبي بين مواطنيه، وعلى نحو غير مفاجئ، لم يسبق أن كانت أقل مما هي عليه اليوم. ولعل خير مؤشر على ذلك نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة التي أسفرت عن تقدم لأحزاب أقصى اليمين وأقصى اليسار المناوئة للاتحاد عادة. المؤلفان يجادلان بأن أزمة اليورو هي أكثر من مجرد اختبار اقتصادي ويريان أن سنوات الارتجال من أجل الحفاظ على العملة المشتركة غيّرت الاتحاد الأوروبي بشكل جوهري، إذ يقولان: «لقد خرجت ألمانيا من الأزمة قوية فيما ازداد تراجع فرنسا، وتأكدت عدم قابلية إيطاليا للحكم، وزاد التوتر بين دعاة الانضمام لمنطقة اليورو ودعاة الخروج منها، وخاصة في حالة بريطانيا التي باتت اليوم تقترب من باب الخروج أكثر». ويريان أن السلطة في بروكسيل انتقلت من المفوضية الأوروبية إلى الحكومات الوطنية التي يجب أن تقرر الاندماج أو الانسحاب. لكن المؤلفين يؤكدان أن الاتحاد الأوروبي مازال من الممكن إصلاحه، ويستحق الإصلاح، لأنه في الوقت الذي يريد فيه المرء إعلان فشل مشروع الاندماج، يأتي وضع مثل ذاك القائم في أوكرانيا ليذكّر الجميع بأن المشروع الأوروبي مازال جذاباً: ثورة شعبية للسعي وراء عضوية الاتحاد والتخلص من براثن روسيا. فرغم كل عيوبه، فإن حلم ولايات متحدة أوروبية مازال حياً. وكل ما يحتاجه، حسب المؤلفين، هو زعيم قادر على تنظيم الولايات المختلفة ضمن نظام فيدرالي ضيق، وذلك على نحو يضمن، في حال فشلت ولاية واحدة، عدم تعرض الولايات الأخرى للخطر. وهذا الأمر يتطلب نظاماً بنكياً أكثر اندماجاً، وقدرة على إصدار ديون مشتركة، وميزانية مركزية للمساعدة خلال الأزمات الاقتصادية، وربما مزيداً من السلطة التقديرية للحكومات الوطنية أيضاً. محمد وقيف الكتاب: اتحاد غير سعيد المؤلفان: جون بيت وأنتون لاجوارديا الناشر: إيكونوميست بوكس تاريخ النشر: 2014