يبدو أنه بات من المستبعد الحديث عن أي تطور إيجابي يؤدي إلى استقرار الوضع الأمني في العراق من دون رحيل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي تتهمه جهات كثيرة في الداخل العراقي وفي الخارج بأنه السبب في هذه الفوضى التي مر عليها أسبوعان. بل إن الحديث عن أن العراق «تفكك» إدارياً، وأنه لم يعد هناك من يستطيع إعادته إلى الوضع السياسي، الذي كان عليه قبل 2003، هو أمر واقع، خاصة بعد أن أكد الأكراد السيطرة على منطقة كردستان، وهي الجزء الوحيد في العراق الذي يتمتع بجزء بسيط من الاستقرار. وهذا معناه أن احتمالات إعلان استقلال الإقليم مسألة تنتظر وقتاً مناسباً فقط، قد يكون تصاعد الوضع الفوضوي أحدها والمؤشرات تقول إن وتيرتها تسير إلى الأعلى. الملمح الثابت في التحولات السياسة العراقية منذ إسقاط نظام صدام حسين هو التمدد الإيراني في هذه الدولة إما بشكل مباشر، حيث كانت هناك قوات إيرانية ومستشارون إيرانيون منذ سقوط النظام، وإما بتحريك ملفات طائفية والتمدد في العالم العربي، سواء في لبنان أو البحرين أو اليمن. أعتقد أنه «واهم» من يظن أن عرض الحرس الثوري الإيراني الاشتراك مع القوات الأميركية لمساعدة المالكي في القضاء على «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) هدفه هو استقرار العراق والمنطقة. وسجلات إيران مع السياسة العربية والدولية أنها لا تخرج من دون مزايا استراتيجية. لقد خسرت مصر بعدما كانت هناك بداية تفاهمات مع «الإخوان المسلمين»، وذلك بعد إسقاط محمد مرسي، وهي خسارة كبرى لا تنساها إيران بسهولة. و«داعش» بالنسبة لها فرصة لإعادة تشكيل المنطقة في ظل الضعف السياسي العربي. نظرياً يبدو أن هناك رغبة غير عربية في تقسيم العراق إلى أقاليم، وهذه الرغبة تدعمها قوى إقليمية ودولية، وهذا التقسيم سيكون طائفياً، وإذا لم يتم على الأقل فإن العراق سيظل عاجزاً عن القيام بدوره المركزي العربي. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، هناك الفوضى السياسية والأمنية التي لم تتوقف منذ عام 2003 في العراق. بل إن وتيرة حالة الفوضى والمخاضات التقسيمية لهذا البلد تسير بشكل تصاعدي وتقلق الدول العربية المجاورة على اعتبار أن التمدد الطائفي يقلق المنطقة. حقيقة الأمر أن ما نراه اليوم لا يخص العراق فقط وينبغي الانتباه له. وأعتقد أن الزيارات الدبلوماسية الغربية إنما تتم لإيجاد مخرج لهذا المأزق، وربما تقدم لنا الأيام القليلة القادمة نتائج ما نراه على الأرض العراقية بشكل حاسم وواضح لناحية مستقبل «الكيان الواحد»، بل ولحالة الاستقرار العربي وربما لمنطقة الشرق الأوسط ككل. إذا أردنا أن نلخص أسباب ما نراه في العراق حالياً فينبغي التحدث عن عاملين اثنين: العامل الأول؛ فشل المشروع الأميركي في إعادة بناء الدولة العراقية خلال مرحلة ما بعد صدام حسين؛ حيث أدى ذلك إلى تدخلات إقليمية واضحة. والعامل الآخر؛ هو تعبير عن قهر لمجموعة من المواطنين العراقيين نتيجة سياسات طائفية، وطبعاً هذا لا يعني دخول من تعودوا استغلال الفرص من المتطرفين مثل «داعش». وباختصار لا يمكن إرجاع ما يحدث لسبب واحد، وإنما الدقة تؤكد أنه صراع متعدد الأنماط؛ داخلي، وإقليمي، ودولي. وتنبغي الإشارة هنا إلى توقعات المراقبين عقب سقوط صدام حسين والقائلة بأن وجود مجموعة من السياسيين العراقيين الذين عانوا الحكم السابق وسياسة التهميش للآخر لأسباب عرقية، سيكون من شأنه تغيير وضع المواطن العراقي إلى الأفضل، وبالتالي تقوى دولة العراق. كما أن هذا التغيير سيعلن عن تنشيط طبيعة العمل السياسي العربي باعتبار أن العراق دولة مركزية في الإقليم وفيها تركيبة ديموغرافية تمثل ثقلا في مواجهة الدول المجاورة للعرب والتي لها أطماعها مثل إيران وتركيا وإسرائيل، وبالتالي يمكن أن تساعد على صد تلك التمددات. لكن هذا لم يحصل نتيجة لضعف الموقف السياسي العربي ونتيجة لتوغل إيران والعمل على تعيين أشخاص في الحكومة العراقية يحتفظون بالولاء لها. واليوم، هناك كلام عراقي عن احتمالات قيام إقليم خاص بالسُّنة، وهذا ما أعلنه صالح المطلق نائب رئيس الوزراء العراقي، وربما هذه المرة الأولى التي يعلنها السنة؛ والسبب هو سياسات المالكي، في مقابل إقليم للأكراد. وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون الباقي للشيعة. وهنا تكمن خشية الدول العربية من «تفتت» وحدة العراق؛ لأن الأمر يهدد الاستقرار المجتمعي في دول المنطقة، لاسيما أن التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة، ما يعني احتمالية توقيع صفقات سياسية إيرانية أميركية على حساب دول عربية أمر غير مستبعد، خاصة أن إيران تدرك عدم فهم الولايات المتحدة لطبيعة القوى السياسية الدينية في المنطقة وربما هذا السيناريو هو القادم. وللدولتين -إيران والولايات المتحدة- تاريخ من التعاون في أفغانستان والعراق أيضاً. بقيت نقطتان اثنتان: الأولى، أننا لا نكاد نلمس شيئاً من العمل العربي المشترك يؤكد وجود رغبة عربية جامعة لوضع حد لتلك الفوضى؛ فالمواقف حتى الآن فردية أو بالتنسيق الثنائي بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ومعهما الأردن لمواجهة التحديات التي تهدد المنطقة بأكملها، لاسيما أن هناك شكوكاً حول تنحي رئيس الوزراء المالكي عن رئاسة الحكومة. هناك فراغ سياسي حقيقي في العراق، وعلى العرب أن يتحركوا للحفاظ على هذا البلد العربي قبل فوات الأوان. والنقطة الثانية، أن إيران تجيد لعبة تجميع الأوراق الإقليمية للتفاوض مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، وفي هذه النقطة ستكون «الطائفية» هي الورقة التي ستلعب عليها مع الغرب. إيران تجيد التلاعب بملف الطائفية وشق المجتمع الداخلي، وقد فعلتها في لبنان واليمن، وفشلت في البحرين.