بعد انتحاري ضهر البيدر، وانتحاري شاتيلا، وإغارة الأمن اللبناني على فندق نابليون بالحمراء في قلب بيروت، أغارت عناصر الأمن العام على فندق آخر بمحلة الروشة للقبض على شابين ففجَّر أحدهما نفسَه، وقُبض على الآخر جريحاً. واللافت أنّ الشابين سعوديان، وأنّ الذين أرسلوهما هُمُ مَن دلُّوا القوات الأمنية عليهما! وبعد هدوء شهرين إذن، عادت الانفجارات والانتحاريات. وبدأت الحملات الأمنية بإنذارٍ من السفارة الأميركية ببيروت، أنّ هناك انتحاريين دخلوا إلى لبنان وبيروت، وينبغي تتبعهم قبل أن يتمكنوا من تنفيذ مخططاتهم! وإذا كان لافتاً وجود سعوديين بينهم، فاللافت أيضاً أنه لم يمكن حتى الآن تتبُّعُ آثارهم إلى سوريا كما كان عليه الحال في الانتحاريات الأُولى! واللافت كذلك أن بعض الأجهزة الأمنية تعتقد أن هناك سياسيين عديدين مهددين بالاغتيال، لذلك نصحتهم بالسفر أو البقاء في بيوتهم! بدأت الظواهر الانتحارية والتفجيرية عام 2013/2014 على صلة وثيقة بتدخل «حزب الله» في سوريا مطلع 2013. وأعلنت تنظيمات وهمية وغير وهمية مسؤوليتها عن التفجيرات في كل مرة وربطتْها بذلك التدخل. أما الموجة الأخيرة فإن أحداً (حتى الآن) ما أَعلن مسؤوليته عنها. فهل تكون لها علاقة بما يحدث في العر اق، وبخاصة أن أمين عام «حزب الله» ذكر أنه قد يضطر للتدخل في العراق بعد سوريا، لحماية المراقد والمزارات المقدسة في تعليلاته المتوالية؟ وإلى ذلك فإن اسم «داعش» صار وارداً في وسائل التواصل هنا وهناك! وسط هذا المخاض الهائل المستمر منذ أربعة أشهر يحفل لبنان بعدة ظواهر مُهولة ليست الانتحاريات غير واحدةٍ منها. ومن ذلك وجود مليون ونصف المليون لاجئ من سوريا، بينهم أكثر من مائتي ألف فلسطيني من مخيم اليرموك والمخيمات المجاورة. ومن ذلك عجز مجلس الوزراء عن الاجتماع لممارسة أعماله التنفيذية في غياب رئيس الجمهورية، والتنازع على كيفية تولي صلاحياته في غيابه من جانب مجلس الوزراء بحسب الدستور. ومن ذلك التنازع على حق مجلس النواب في ممارسة التشريع وإصدار القوانين في غياب الرئيس. وكانت حكومة ميقاتي السابقة قد أقرت سلسلة هائلة للرُتَب والرواتب ثم استقالت، وتنقسم النخبة السياسية منذ شهرين على إقرارها وسط مخاوف شديدة من انهيار الوضع المالي إنّ أُقرّت، ومن بقاء الإضرابات والاعتصامات في الشارع إن لم تُقرّ. ولو رُحْنا نُعدّد الملفات العالقة والساخنة (وعلى رأسها عدم وجود رئيس للجمهورية) لتبيَّن لنا أن الأسد والمالكي مرحومان، وقد يكونان في حالة أفضل، لأن إيران وروسيا راضيتان عنهما، بينما تنظر إلينا إيران على الأقل بالعين الحمراء القانية لأننا نعطّل إعادة تكوين محور المقاومة والممانعة بحيث يكون رئيس لبنان الجديد العضو الرابع أو الخامس في ذلك المحور العتيد! تشكلت الحكومة الحاضرة نتيجة مبادرة قدمها سعد الحريري، ووافق بمقتضاها على التشارك مع «حزب الله» وحلفائه ومنهم الجنرال عون في الحكومة العتيدة. وكانت قوى «14 آذار» – ومنها «تيار المستقبل»- قد أصرَّت طوال عشرة أشهر على معارضة الشراكة بسبب إصرار الحزب على الثلث المعطِّل في الحكومة، وعلى أن تكون لحليفه عون حصة رئيسية في الوزراء. وجرت تأويلات كثيرة لتنازُلات قدمها الحزب، وأُخرى قدمها عون. بيد أن الحريري علل مبادرته بأن الوضع الأمني في البلاد لم يعد يحتمل بعد أن عادت الاغتيالات والتفجيرات والانتهاكات والقتل في طرابلس وعرسال. وكانت وجهة نظره أنه بالإضافة إلى التعاون في ضبط الوضع الأمني، فإن هذا التوافُق المبدئي على الحكومة، يمكن أن يؤدي في مستقبل قريب إلى توافُق على رئيس جديد للجمهورية عندما تنتهي مدة الرئيس ميشال سليمان. وقد نححت الحكومة في وضع خطة أمنية هدأت بمقتضاها طرابلس وعرسال، وجرت تعيينات مهمة في الوظائف الأُولى، وهي مراكز خالية أو تدار بالوكالة منذ سنوات. لكن كما سبق القول فإن التوافُق على الرئيس لم يتحقق، رغم أن الأسد أجرى انتخاباته العظيمة بنجاحٍ منقطع النظير، وبدا كل شيء هادئاً في الميدان الغربي، واكتسح الأسد و«حزب الله» منطقتي القلمون وحمص، وأعلنا عن انتصاراتهما المدوية في كل مكان! فهل عرقل الحزب ويعرقل انتخابات الرئيس بسبب الإصرار-كما سبق القول- على إكمال محور المقاومة بانتخاب عون لرئاسة الجمهورية؟! الحريري تابع مبادرته وفتح حواراً مستفيضاً مع الجنرال. لكن حلفاءه في 14 آذار، والنائب وليد جنبلاط وكتلته، لم يوافقوا على احتمال التسليم للجنرال بالرئاسة لست سنوات. وما قطع الحريري حواره، لكن أمين عام «حزب الله» نفد صبره وهدَّد بالويل والثبور وعظائم الأمور، والجنرال عون هدَّد الحريري علناً بأنه إن لم يوافق على انتخابه فلن يعود إلى لبنان، أما إذا وافق فسيذهب بنفسه إلى باريس لإحضاره آمِناً مطمئناً! وبين التجاذُب والتصارُع توقّف نواب الحزب وعون عن الحضور إلى مجلس النواب، وأصرّت كُتَلُ 14 آذار وجنبلاط على الحضور، لكنها لا تستطيع تحقيق النصاب للانتخاب بدون الشركاء الآخرين المُضْربين عن الحضور. وخلال ثلاثة أشهر من التماحُك، تعقّدت ملفاتٌ أخرى سبق ذكْرها، وانشغل «حزب الله» عن لبنان وانتخاباته بحماية المزارات المقدسة في العراق بعد سوريا. ومضى خبراء سليماني ونصرالله إلى بغداد بعد دمشق لحماية المالكي بعد الأسد، وبقيت الديار اللبنانية بدون رئيس! الرئيس اللبناني هو الرئيس العربي المسيحي الوحيد. ولانتخابه بالتوافق رمزيةٌ كبرى أصرَّ عليها اللبنانيون منذ آمادٍ وآماد. وكان الرئيس الحريري قد اقترح على البطرك الراعي أن يجمع المرشحين المسيحيين الكبار للاتفاق على مرشَّحٍ منهم أو من غيرهم فتسير فيه قوى الرابع عشر من آذار والنائب جنبلاط أياً يكن اسمه. وقد اجتمع هؤلاء الأربعة (الجميل، وعون، وجعجع، وسليمان فرنجية) مرتين أو ثلاثاً دونما وصولٍ إلى توافقٍ على أيّ أمر، رغم رغبات الأوروبيين والأميركيين الحارّة. ولذلك يتهم كثيرون المسيحيين الكبار هؤلاء بتضييع الرئاسة بسبب انقساماتهم وطموحاتهم. أما الحقيقة فهي أنّ إيران صارت – من خلال تنظيماتها المسلَّحة – هي الناخب الأكبر في لبنان وسورية والعراق، وهي لن توافق أو أن الأمين العامَّ لحزبها في لبنان لن يوافق إلاّ إذا كان المرشَّح هو نفسه الذي يؤمّن اكتمال محور المقاومة! هل يمكن بعد سرد هذه الوقائع كلّها استشراف بعض التوقعات؟ التوقع الوحيد الممكن: العمل على أن تستعيد الشعوب العربية في لبنان وسورية والعراق قرارها وحرياتها أو يستمر محور المقاومة المولَج بحماية المزارات المقدسة من طهران إلى البحر المتوسط، كما ذكر الجنرال جعفري قائد الحرس الثوري. وقد يكون الجنرال عون من بين هذه المزارات، وهذا هو سبب الحرص عليه، والله أعلم.